لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِلْيَهُودِ وَمَخْصُوصَةٌ بِهِمْ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ جَعْلَ الصُّفْرَةِ عَلَامَةً لَهُمْ إِنَّمَا حَدَثَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِكَمِصْرَ مُنْذُ زَمَنٍ قَرِيبٍ فَفِي الْأَوَائِلِ لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ: أَوَّلُ مَنْ أَمَرَ بِتَغَيُّرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ زِيَّهُمْ إِمَامُ الْمُتَوَكِّلِ.
وَفِي السِّكِرْدَانِ لِابْنِ أَبِي حَجْلَةَ: لَبِسَ النَّصَارَى الْعَمَائِمَ الزُّرْقَ، وَالْيَهُودُ الْعَمَائِمَ الصُّفْرَ، وَالسَّامِرَةُ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ الْعَمَائِمَ الْحُمْرَ سَنَةَ سَبْعِمِائَةٍ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَغْرِبِيًّا جَالِسًا بِبَابِ الْقَلْعَةِ عِنْدَ بِيبَرْسَ الْجَاشِنْكِيرِ فَحَضَرَ بَعْضُ كُتَّابِ النَّصَارَى بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ، فَقَامَ لَهُ الْمَغْرِبِيُّ وَتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ فَدَخَلَ لِلسُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، وَفَاوَضَهُ فِي تَغْيِيرِ زِيِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِيَمْتَازَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ فَأَجَابَهُ لِذَلِكَ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةِ جَدَالَةَ (وَاسْمُهُ عَبْدُ بْنُ عَبْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاحِشًا) أَيْ: ذَا فُحْشٍ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقَوْلِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْفِعْلِ وَالصِّفَةِ (وَلَا مُتَفَحِّشًا) أَيْ: وَلَا مُتَكَلِّفًا بِهِ أَيْ: لَمْ يَكُنِ الْفُحْشُ لَهُ خُلُقِيًّا وَلَا كَسْبِيًّا، قَالَ الْقَاضِي: الْفَاحِشُ مَا جَاوَزَ الْحَدَّ، وَالْفَوَاحِشُ الْمَقَابِحُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الزِّنَا فَاحِشَةً، وَالْمُرَادُ: بِالْفَاحِشِ فِي الْحَدِيثِ: ذُو الْفُحْشِ فِي كَلَامِهِ وَفِعْلِهِ، وَالْمُتَفَحِّشُ الَّذِي يَتَكَلَّفُ الْفُحْشَ وَيَتَعَمَّدُهُ فَنَفَتْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ بِهِ طَبْعًا وَتَكَلُّفًا ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَلَا صَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: صَيَّاحًا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ سَخَّابًا بِالسِّينِ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَعَّالٌ قَدْ يَكُونُ لِلنِّسْبَةِ كَتَمَّارٍ وَلَبَّانٍ وَبِهِ أُوِّلَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَقْصُودُ نَفْيُ الصَّخَبِ لَا نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ كَأَنَّهَا نَظَرَتْ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَادَ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فَنَفَتْهُ عَلَى صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمُرَادُ: نَفْيُهُ مُطْلَقًا، وَقَدْ يُقَالُ الْغَرَضُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي حَقِّهِ لَكَانَ كَامِلًا كَسَائِرِ أَوْصَافِهِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَمْثَالِ هَذَا الْكَلَامِ مُبَالَغَةُ النَّفْيِلَا نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَقِيلَ فِي الْآيَةِ صَحَّ الْمُبَالَغَةُ بِاعْتِبَارِ الْمُقَابَلَةِ لِلْعَبِيدِ الْمَوْجُودِينَ بِوَصْفِ الْكَثْرَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْمُبَالَغَةِ هُنَا وَفِي الْحَدِيثِ أَصْلُ الْفِعْلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْأَسْوَاقِ أَيْ: لَيْسَ مِمَّنْ يُنَافِسُ فِي الدُّنْيَا وَجَمْعِهَا حَتَّى يَحْضُرَ الْأَسْوَاقَ، لِذَلِكَ فَذِكْرُهَا إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ لِذَلِكَ لَا لِإِثْبَاتِ الصَّخَبِ فِي غَيْرِهَا أَوْ لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى فِيهَا انْتَفَى فِي غَيْرِهَا انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ فَإِنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ فِي الْقِرَاءَةِ