قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْخَاءِ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِلْمَقَامِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ حُسْنِ مُعَاشَرَتِهِ، قُلْتُ: هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّابِقِ دُونَ نِسْبَتِهَا إِلَى اللَّاحِقِ، وَلِهَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَحْسَنِ النَّاسِ حُسْنَ الْخِلْقَةِ، وَهُوَ تَابِعٌ لِاعْتِدَالِ الْمِزَاجِ الَّذِي يَتْبَعُهُ صَفَاءُ النَّفْسِ الَّذِي هُوَ جَوْدَةُ الْقَرِيحَةِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْحِكْمَةُ، نَعَمِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِالضَّمِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: حَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وَكَفُّ الْأَذَى وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ مُخَالَطَةُ النَّاسِ بِالْجَمِيلِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ اخْتِيَارُ الْفَضَائِلِ وَاجْتِنَابُ الرَّذَائِلِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْعُنْوَانِ مَا يَسْتَغْنِي عَنْ زِيَادَةِ الْبَيَانِ ثُمَّ هُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُهُ بِأُنْسٍ وَنَحْوِهِ (وَلَا مَسِسْتُ) بِكَسْرِ السِّينِ وَبِفَتْحٍ أَيْ مَا لَمَسْتُ (خَزًّا) بِفَتْحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ زَايٍ، قِيلَ: الْخَزُّ اسْمُ دَابَّةٍ ثُمَّ سُمِّيَ الْمُتَّخَذُ مِنْ وَبَرِهَا فَيَكُونُ فَرْوًا نَاعِمًا عَلَى مَا فِي مِنْهَاجِ اللُّغَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْخَزُّ: ثِيَابٌ يُعْمَلُ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْخَزُّ مُرَكَّبٌ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مُبَاحٌ إِنْ لَمْ يَزِدِ الْحَرِيرُ وَزْنًا، وَلَا عِبْرَةَ بِزِيَادَةِ الظُّهُورِ فَقَطْ، انْتَهَى، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ إِنْ كَانَ السَّدَى حَرِيرًا وَاللُّحْمَةُ غَيْرَهُ فَهُوَ مُبَاحٌ وَعَكْسُهُ حَرَامٌ إِلَّا فِي الْحَرْبِ (وَلَا حَرِيرًا) أَيْ: خَالِصًا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا لَفْظُ قَطُّ، وَفِي بَعْضِهَا بَعْدُ خَزًّا (وَلَا شَيْئًا) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (كَانَ) أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ أَوْ شَيْءٍ (أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا شَمَمْتُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ كَذَا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا انْتَهَى، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فَفِي الْقَامُوسِ: الشَّمُّ حُسْنُ الْأَنْفِ شَمِمْتُهُ بِالْكَسْرِ أَشَمُّهُ بِالْفَتْحِ وَشَمَمْتُهُ بِالْفَتْحِ أَشُمُّهُ بِالضَّمِّ (مِسْكًا) وَهُوَ طِيبٌ مَعْرُوفٌ (قَطُّ وَلَا عِطْرًا) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ: مُطْلَقُ الطِّيبِ فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَالْعَرَقُ بِفَتْحَتَيْنِ مَعْرُوفٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ عَيْنٍ وَسُكُونِ رَاءٍ فَفَاءٍ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
وَكَانَ طِيبُ عَرَقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَتَّى كَانَ بَعْضُ النِّسَاءِ يَأْخُذْنَهُ وَيَتَعَطَّرْنَ بِهِ وَكَانَ مِنْ أَطْيَبِ طِيبِهِنَّ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَمَعَ كَوْنِ هَذِهِ الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ صِفَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَمَسَّ طِيبًا كَانَ يَسْتَعْمِلُ الطِّيبَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مُبَالَغَةً فِي طِيبِ رِيحِهِ لِمُلَاقَاةِ الْمَلَائِكَةِ وَأَخْذِ الْوَحْيِ الْكَرِيمِ وَمُجَالَسَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلِفَوَائِدَ أُخْرَى مِنَ الِاقْتِدَاءِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ وَرَدَ (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَشْرٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ (وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ) فَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَعَلَّ ابْتِدَاءَ خِدْمَةِ أَنَسٍ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ فَفِي رِوَايَةِ التِّسْعِ لَمْ يَجْبُرِ الْكَسْرَ وَاعْتَبَرَ