وقال الجاحظ تعليقا على البيتين:"والطّير لا تَلِغ، وإنما يَلِغ الذباب، وجعله من الطّير. وهو وإن كان يطير فليس ذلك من أسمائه، فإذ قد جاز أن يستعير له اسم الطائر، جاز أن يستعير للطير وَلْغ السِّباع فيجعَل حَسْوها وَلْغًا". والشاهد في البيتين أن الكلام فيهما عن الذباب، لكن الشاعر استعمل له كلمة"الطير"، ثم سواء بعد ذلك أكان الذباب يُعَدّ فعلا في الطير كما قلنا آنفا أم كان استعير له ذلك الاسم على ما يقول الجاحظ، الذى لا أوافقه في كلامه لأننا رأينا العرب تعد الذباب من الطير، إذ له أجنحة يطير بها، وهم أنفسهم ينسبون إليه فعل الطيران فيقولون:"طار الذباب وتطاير وطيّرته أنا...".
ومثله في ذلك هذا النص من كتاب"المفصَّل في صنعة الإعراب"للزمخشرى حيث سمى الذباب:"طائرا". يقول عالمنا الكبير تحت عنوان"الإخبار عن كل اسم في جملة سائغ إلا إذا منع مانع":"وطريقة الإخبار أن تصدّر الجملة بالموصول وتزحلق الاسم إلى عَجُزها واضعا مكانه ضميرا عائدا إلى الموصول. بيانه أنك تقول في الإخبار عن زيد في"زيد منطلق":"الذي هو منطلق زيد"... وعن خالد في"قام غلام خالد":"الذي قام غلامه خالد"أو"القائم غلامه خالد". وعن اسمك في"ضربت زيدا":"الذي ضرب زيدا أنا"أو"الضارب زيدًا أنا". وعن الذباب في"يطير الذباب فيغضب زيد":"الذي يطير فيغضب زيد: الذباب"أو"الطائر فيغضب زيد: الذباب"...". وكذلك هذا الشاهد من كلام صلاح الدين الصفدى في كتابه:"الوافى بالوَفَيات"تعليقًا على البيتين التاليين للمعرى اللذين استخدم فيهما كلمة"الذباب"على سبيل التورية:
مثل وَشْي الوليد وإن كا* نت من الصنع مثل وَشْي حبيبِ
تلك ماذيّةٌ، وما لذباب السيـ * ــف والصيف عندها من نصيبِ