ولم يكن هَمُّ المدقِّقين منهم مجرد الرواية وإنما التخير ، وبيان حال الراوي الذي - ينقل عنه الرواية ؟ روى الإِمام مسلم في مقدمة صحيحه: من طريق الشعبي قال: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ ، وَكَانَ كَذَّابًا .
ومن طريق مُغِيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الأَعْوَرُ ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ .
ومن طريق حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ قَالَ: سَمِعَ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ مِنْ الْحَارِثِ شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ: اقْعُدْ بِالْبَابِ ، قَالَ: فَدَخَلَ مُرَّةُ وَأَخَذَ سَيْفَهُ ، قَالَ: وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بِالشَّرِّ فَذَهَبَ (1)
(مسلم ، 1/ 19 ، المقدمة . )
ولبيانِ جانب من دقة هذا المنهج في توثيق روايات الحديث عند المُحَدِّثِين أنقل - فيما يلي - ثلاثة فصولٍ من كتاب الكفاية في علوم الرواية ، للخطيب البغدادي ، تَكْشفُ عن شيء من هذا الجانب ، أنقلها بتصرف بالاختصار ، باب الكلام في الأخبار وتقسيمها:
قال الخطيب البغدادي في شأن تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد
"الخبر هو ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب ، وينقسم قسمين: خبر تواتر ، وخبر آحاد ."
فأما خبر التواتر ، فهو: ما يخبر به القوم الذين يَبْلُغ عددهم حدًّا يُعْلَم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أن اتفاق الكذب منهم محال ، وأن التواطؤ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر فيه متعذر ، وأن ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله ، وأن أسباب القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم ، فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم ، قطع على صدقه ، وأوجب وقوع العلم ضرورة .
(1) مسلم ، 1/19 ، المقدمة .