لكن أغلب المعاصرين من دارسي التفسير اختاروا الوقوف عند أهل الأثر ، وتحاشوا الاقتراب من أئمة الحديث المشتهرين ضمن"طبقات المفسرين"وضمن"نقاد السنة". وربما يرجع سبب اقتصار هؤلاء الدارسين على أهل الأثر من أصحاب المصنفات المبسوطة الذين جمعوا مختلف الروايات مهما كانت درجتها إلى سببين:
الأول: تضييق مجال التخصص العلمي ، حتى أصبح أئمة التفسير هم علماء الأمة المتفرغون لهذا الشأن فحسب ، ومن اجتمع فيه علم التفسير مع الإلمام بعلوم السنة المشرفة رواية ودراية أُلحق بالمحَدِّثين ولم يعتبر إلا ضمن هؤلاء ، ويمكن للباحث اليوم أن ينقب في أكثر ما نشر وألّف عن تاريخ التفسير ومناهجه عن حافظ الري وابن حافظها عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ( ت 327 هـ ) الذي كان معاصرًا للطبري ، وتجاهل أكثر المعاصرين تفسيره المسند ، على الرغم من تكرر اسمه في كتب"طبقات المفسرين"، وفي مختلف مصنفات العلم التي جمعت بعده ، فضلا عن ذلك فإن التفسير المسند للرازي هو المصدر الوحيد الذي احتفظ لنا ببعض التفاسير المتقدمة التي ألفت في عصر التدوين وضاعت خلال القرون التالية (1)
(من ذلك على سبيل المثال التفسير الذي جمعه سعيد بن جبير( ت94هـ ) لعبد الملك بن مروان الأموي ( ت 86هـ ) . وقد ذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ج 6 ص 332: أن هذا التفسير نقل إلى مصر بواسطة عطاء بن دينار الهذلي ت 127هـ وتناقله المفسرون بالفسطاط، وقد جمع تفسير ابن أبي حاتم مختلف الطرق والأسانيد التي نقل بها، ويمكن الرجوع في الموضوع إلى مختلف الفهارس العلمية المنشورة حديثا مع"التفسير المسند"، وقد سبق لي نشر دراسة عن الموضوع ضمن: مجلة الشريعة والدراسات الإِسلاميَّة، جامعة الكويت ( العدد 27 شعبان...)
وربما كان هذا التجاهل هو أحد أسباب تأخر نشر"تفسير القرآن العظيم مسندًا عن الرسول والصحابة والتابعين"حتى السنوات الأخيرة ، وما قيل عن ابن أبي حاتم يصدق أيضًا عن شيخ الإِمام البخاري عبد بن حميد بن نصر ( ت 249 هـ ) وعلى غيرها.
السبب الثاني: لاحتراز المعاصرين عن الكلام في تفاسير المحدِّثين - طغيان الطابع الوصفي على الكثير من الدراسات المعاصرة المتداولة وغياب ما يتطلبه التحقيق العلمي فيها ، ولعل مرجع ذلك كون أكثر التآليف المعاصرة في تاريخ التفسير ومناهجه عبارة عن مقررات دراسية يحررها أصحابها لغاية تعليمية
(1) من ذلك على سبيل المثال التفسير الذي جمعه سعيد بن جبير ( ت94هـ ) لعبد الملك بن مروان الأموي ( ت 86هـ ) . وقد ذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ج 6 ص 332: أن هذا التفسير نقل إلى مصر بواسطة عطاء بن دينار الهذلي ت 127هـ وتناقله المفسرون بالفسطاط، وقد جمع تفسير ابن أبي حاتم مختلف الطرق والأسانيد التي نقل بها، ويمكن الرجوع في الموضوع إلى مختلف الفهارس العلمية المنشورة حديثا مع"التفسير المسند"، وقد سبق لي نشر دراسة عن الموضوع ضمن: مجلة الشريعة والدراسات الإِسلاميَّة، جامعة الكويت ( العدد 27 شعبان 1416 هـ ص 17 - 86 ) .