فوصف المثبطين عن الجهاد ـ وهم صنفان ـ بأنهم إما أن يكونوا في بلد الغزاة، أو في غيره، فإن كانوا فيه عوقوهم عن الجهاد بالقول، أو بالعمل، أو بهما . وإن كانوا في غيره راسلوهم، أو كاتبوهم: بأن يخرجوا إليهم من بلد الغزاة، ليكونوا معهم بالحصون، أو بالبعد . كما جرى في هذه الغزاة .
فإن أقوامًا في العسكر والمدينة وغيرهما صاروا يعوقون من أراد الغزو، وأقوامًا بعثوا من المعاقل والحصون وغيرها إلى إخوانهم: هلم إلينا . قال الله ـ تعالى ـ فيهم: { وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } [ الأحزاب: 18، 19 ] أى: بخلاء عليكم بالقتال معكم، والنفقة في سبيل الله . وقال مجاهد: بخلاء عليكم بالخير والظفر والغنيمة . وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله، أو شح عليهم بفضل الله، من نصره ورزقه الذى يجريه بفعل غيره، فإن أقوامًا يشحون بمعروفهم، وأقوامًا يشحون بمعروف الله وفضله . وهم الحساد .
ثم قال تعالى: { فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } [ الأحزاب: 19 ] ، من شدة الرعب الذى في قلوبهم، يشبهون المغمى عليه وقت النزع؛ فإنه يخاف ويذهل عقله، ويشخص بصره ولا يطرف . فكذلك هؤلاء؛ لأنهم يخافون القتل .