المقدمة
علاقة الاجتهاد بعلم أصول الفقه
إن لكلمة أصول الفقه نظرتين:
إحداهما: قبل جعل هذه الكلمة علمًا على هذا الفن المخصوص المسمى بعلم (أصول الفقه) وهي من هذه الجهة تعتبر مركبًا إضافيًا يدل جزؤه على جزء معناه.
وثانيهما: بعد جعل هذه الكلمة علمًا على هذا الفن المخصوص المسمى بعلم (أصول الفقه) وهي من هذه الجهة تعتبر لفظًا مفردًا, لا يدل جزؤه على جزء معناه، فالذي يدل على المعنى المقصود هو مجموع هاتين الكلمتين [1] .
ولم يكتفِ الأصوليون بالمعنى الإضافي، بل نقلوه إلى المعنى اللقبي؛ لأن المعنى الإضافي غير جامع لمباحث أصول الفقه، حيث إنه يشمل الأدلة فقط، ومباحث هذا الفن الأدلة، والترجيح، والاجتهاد.
والأصوليون عرفوا أصول الفقه باعتباره علمًا ولقبًا بالذاتيات فقط، فعرفوه بأنه: «القواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية» .
أو بالذات مع الفائدة، فعرفوه بأنه: «إدراك القواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية» .
وقد عرفه القاضي البيضاوي بأنه: «معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد» [2] .
وهذان الاتجاهان - تعريفه بالذاتيات فقط, أو بالذاتيات مع الفائدة -جاءا من ناحية أن العلم كما يطلق على إدراك الشيء، يطلق أيضًا على نفس المدرك [3] من خلال تعريف أصول الفقه بمعناه للقبي نتبين الصلة الوثيقة بين الاجتهاد وعلم أصول الفقه، فمباحث هذا الفن- كما عرفنا- تنحصر في الأدلة، وكيفية الاستفادة من هذه الأدلة، وحال المستفيد منها، وهو المجتهد.
يقول الغزالي: «إن الأصولي ينظر في وجوه دلالة الأدلة السمعية على الأحكام الشرعية، ومن ثم فإنه يكون غير خافٍ أن المقصود معرفة كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة، فوجب النظر في الأحكام، ثم في الأدلة وأقسامها، ثم في كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة، ثم في صفات المقتبس الذي له أن يقتبس الأحكام، فإن الأحكام ثمرات، وكل ثمرة لها صفة وحقيقة في نفسها، ولها مثمر ومستثمر, وطريق في الاستثمار, والمستثمر هو المجتهد، ولابد من معرفة صفاته وشروطه وأحكامه، فإذا جملة الأصول تدور على أربعة أقطاب:
(1) شرح الكوكب المنير للفتوحي ج1، ص:44، وإرشاد الفحول للشوكاني ص:3، وشرح طلعة الشمس للمسالمي الإباضي ج1 ص:21، ومباحث الحكم للدكتور/ سلام مدكور ص:8 - 9.
(2) منهاج الوصول للبيضاوي بشرح نهاية السؤل للإسنوي ج1 ص:5.
(3) أصول الفقه للشيخ زكريا البرديسي ص:21، ومباحث الحكم للدكتور/ سلام مدكور ص:7 - 8.