ولما رأى عيسى عليه الصلاة والسلام كفر معظم الذين حوله دعا الحواريين إلى نصرته، فاستجابوا لطلبه.
قال سبحانه:"فَلَمَّا أَحَسَّ (أدرك الكفر بحواسه) عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ" (آل عمران: 53) .
ونلاحظ أنهم لم يقولوا نحن أنصارك إلى الله، بل قالوا: نحن أنصار الله: وذلك للتشريف وللدلالة على شدة التزامهم بالمنهج السماوي.
وفي آية أخرى:"وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ: (ألهمتهم وألقيت في قلوبهم الإيمان) أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ" (المائدة: 111) .
ونلاحظ أن إيمان الصحابة رضي الله عنهم لم يكن مثل إيمان الحواريين: بل كان أعظم، لأن الحواريين صاورا بعد إيمانهم يطلبون المعجزات الباهرات، فطلبوا من عيسى عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليهم مائدة من السماء، بينما الصحابة كان تصديقهم أعظم فلم يطلبوا هذه المعجزات بعد إيمانهم.
قال سبحانه:"إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (المائدة: 112) ."
قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان الحواريون يشكون في قدرة الله، وإنما قالوا: يا عيسى هل تستطيع سؤال ربك.
التحرير والتنوير: 5/ 264.
وقد كره عيسى عليه الصلاة والسلام سؤالهم، فبينوا أن الهدف منها ليس تعجيزيا وإنما:
"قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّاكُلَ مِنْهَا": ويبدو أنهم كانوا جائعين، فأرادوا كرامة من الله بإطعامهم.
"وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا": بأن الله معنا ويؤيدنا، وهذا يذكرنا بما قاله إبراهيم لربه:"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" (البقرة: 260) .