إنِ الْحُكْمُ إلَّا لِلَّهِ
اختَصَّ اللهُ سبحانهُ وتعالى لنفسهِ أفعالًا وتفرّد بها, مِنَها حقُّ التشريعِ لخلقِهِ بوضعِ الأحكامِ والأوامرِ والنواهي لَهم, ومن ثمَّ على عباده إفراده بالحاكميةِ حيثُ لا يشارِكه فيهَا سِواه، وعدمُ الاحتكامِ إلى الطاغوتِ، في كثيرٍ ولا قليلٍ, هذا وتحقيق هذا مِن الإنسانِ هو مِن أسُسِ التوحيدِ التي لا يكونُ بِدُونِها إيمانٌ ولا إسلامٌ، وهي وظيفةً المسلمِ الأساسيةِ في كلِّ زمانٍ.
وقد دَلّ على تفرّد الله تعالى بالحكم:
وقَالَ تعالى ?وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ? (القصص 88) , وقال تعالى ?وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ? (القصص 70) , وقَالَ تعالى ?ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ? (القصص 62) , قوله تعالى ?إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ? الأنعام 57 ويوسف 40, وقوله تعالى ?أَلَا لَهُ الْحُكْمُ? الأنعام 62, وقوله تعالى ?أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ? الأعراف 54, وقَالَ تعالى ?وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ? الشورى 10, وأكَّد اللهُ تعالى تفرّده واختصاصه بحقِّ وضعِ الأحكامِ لخلقِه بقولِه تعالى ?وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا? الكهف 26.
فكيفَ بعد هذا كُلِّهِ يريدُ بَعضُ الخلقِ ممن طَغوْا وبَغَوْا وأَجرَموا يريدونَ أنْ ينازِعُوا الرَّبَ جَلَّ في عُلاهُ في الحكمِ, وهؤلاءِ المجرمونَ موجودونَ في كلِّ حقبةٍ وزمانٍ, ويقولُ عزَّ مَن قائِل:?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا?. (الفرقان31) , كيف أقدموا على ذلك الفعلِ وقد بيَّنَ اللهُ تعالى أن الأحكامَ لا تكونُ إلا حكم اللهِ تعالى أو حكم الجاهليةِ ولا ثالثَ لهُمَا، فقَالَ تعالى ?أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ? (المائدة 50) ، وقَالَ تعالى ?أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا? ( الأنعام 113) , إلى غير ذلك من الآياتِ التي تبيِّن اختصاصَ اللهِ تعالى بالحكم.
و توحيِدُ الإلوهيةِ يقومُ على أساسِ إفراد اللهِ تعالى بالطاعةِ والعبادةِ، وإفراد رسولِهِ ? بالمتابعةِ, فإنه المَبلِّغُ عن اللهِ تَعالى في شَرعِهِ وحكمِهِ، وإنَّ من أجلِّ العباداتِ التي فرضَها الله تعالى على عبادِهِ وأعظم ما يتقربونَ بِهِ إلى اللهِ تعالى الحكمُ بشرعهِ ومتابعةُ أمرِهِ والتحاكمُ إليه في كلِّ كبيرةٍ وصغيرةٍ.
وعن عدي بن حاتم ,? ــ وكان نصرانيا فأسلم ــ: أنه سمع النبيَّ ? يقرأ هذه الآية «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا، لا إله إلا هو سبحانه عما