أولًا: الغيب الماضي: وذلك مثل الكلام عن الأمم السابقة والأحوال الماضية فكل ذلك دليل على صدق نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن من عند الله، وذلك كإخباره عن الأنبياء مثل آدم ونوح وهود وإبراهيم وموسى وعيسى وأمه مريم، وأقوامهم كعاد وثمود وبني إسرائيل وفرعون ونحو ذلك.
ولهذا قال تعالى عقب قصة نوح: (( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ) )
وقال عقب قصة مريم وكفالة نبي الله زكريا لها: (( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) )
إن ورود أخبار الأمم الماضية على نحو مفصل ودقيق في القرآن دليل على أنه وحي من الله تعالى وليس من عند البشر، لأن من نشأ في مثل البيئة التي نشأ فيها محمد صلى الله عليه و سلم لا يمكنه الاطلاع على مثل هذه الأمور التي لا سبيل للحصول عليها إلا بالتلقي، ولم يكن في تلك البيئة الأمية من يعرف هذه الأنباء على هذا الوجه الدقيق. وإن وجد القليل من ذلك عند بعض أهل الكتاب فهم في أطراف الجزيرة العربية، وكانوا منغلقين على أنفسهم، ليس لهم تأثير فيمن حولهم، شحيحين بما عندهم من علم الأولين حتى لا ينافسهم أحد على مراكزهم.
ثانيًا: الغيب المستقبلي: وذلك مثل إخبار القرآن عن انتصار الروم على الفرس كما في قوله تعالى: (( غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) )وقد وقع ذلك على ما أخبر به القرآن.
وكإخباره عما سيكون عليه بعض أصحاب النبي كما في قوله: (( علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) )وهذه الآيات من أوائل ما نزل من القرآن.
وكإخباره عن انتصار المسلمين في المستقبل، قال تعالى: (( أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر ) )وقد وقع ذلك في معركة بدر.