فكل ما ورد من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر ونعيمه وإجلاس الميت وسؤاله واختلاف أضلاعه ، أو مد قبره مد البصر ، فكل ذلك صحيح لا ريب فيه ، إذ لا استطاعة للعقل في فهم ذلك الأمر ولا تصوره لأنه أمر خارق للعادة ، فيجب أن يفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم مراده من غير غلو ولا تقصير ، قلا يحمل كلامه ما لا يحتمله ، ولا يقصّر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان ، فكم حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال ، والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله ، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول ، ولا سيما إذا أضيف إليه سوء القصد .
قال صلى الله عليه وسلم:"إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" [ رواه مسلم ] .
فائدة وعبرة:
إذا بلغ الإنسان الأجل الذي قدره الله له واستكمل عمره ورزقه وما كتب له في هذه الدنيا ، جاءته رسل ربه عز وجل ينقلونه من دار الفناء ( وهي دار الدنيا ) إلى دار البِلَى ( وهي حياة القبر ) ثم إلى دار البقاء ( وهي الحياة الآخرة ) التي لا موت فيها بل حياة أبدية ، فيسعد فيها أهل الجنة سعادة لا شقاء معها ، ويشقى فيها أهل النار شقاءً لا سعادة معه ولا بعده ، فإذا حل الأجل وحان الرحيل واستوفى الإنسان أجله في هذه الدنيا جاءته ملائكة ربه تبارك وتعالى لقبض روحه فجلسوا منه مد البصر ، ثم دنا منه الملك الموكل بقبض الأرواح فاستدعى الروح فإن كانت روحًا طيبة ، قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب ، وإن كانت غير ذلك قال لها الملك: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث ، ويصدق ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله عنه حيث قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقعد وقعدنا حوله كأن على رؤوسنا الطير ، وهو يلحد له ، فقال: أعوذ بالله من عذاب القبر ( ثلاث مرات ) .