الصفحة 12 من 12

وبغداد وصلاح الدين والموصل وسامراء وكركوك وغيرها، وقد بدا حقا أن المشروع الجهادي تراجع فعلا تحت كثافة الهجمات المنظمة.

لكن الأقرب إلى الحقيقة أن الاستراتيجيات وطرق المواجهة هي التي تغيرت بصورة شبه جذرية، فالأمريكيون لم يعودوا يتحركون بين الأحياء والريف، كما كان الحال سابقا، إلا بعد تأمين المنطقة من قبل الصحوات والقوى المتعاونة معهم، وبالتالي فقد لعب هؤلاء دور العقبات الكبرى في النيل من الأمريكيين، ليس بوجه"الدولة"فحسب بل وبوجه كافة الجماعات الجهادية بما فيها تلك التي وقفت على الحياد تجاه الصحوات أو شاركت فيها أو قدمت لها الغطاء السياسي والأمني.

وكان من الطبيعي أن تقل الخسائر بين الأمريكيين أو حتى تنعدم في كثير من الأشهر خاصة وأنهم باتوا يدفعون ثمن أمنهم من دماء من يفترض أنهم خصوم الاحتلال، وكان من الطبيعي أيضا أن يبدو المشروع الجهادي متراجعا في حين أنه ما من مؤشر غير الخسائر الأمريكية على التراجع، والواقع يقول بأن مقتل صحوي، في هذه المرحلة، كان يعادل مقتل جندي أمريكي مثلما أن مقتل أحد الرؤوس لا يقل أثره عن مقتل ضابط أمريكي إن لم يكن أزيد بالنظر إلى خطورة تفكك الجبهة الداخلية.

لذا فلو نظرنا إلى المسألة من زوايا أخرى فمن المؤكد أن الصورة ستختلف كلية، فالقاعدة حين تدرك أنها مستهدفة عسكريا بالاستنزاف وأمنيا بالصحوات وإعلاميا بالتشويه ستغير قطعا من وسائل قتالها، وهذا ما حصل. فالجماعة باتت تعمل تحت الأرض تماما، وباتت حريصة على عدم دخولها في مواجهات عسكرية شاملة من شأنها أن تؤدي إلى الانكشاف والدخول في عمليات كسر عظم لا ينفع معها الوضع الجديد، وهو ما لاحظناه على وجه الخصوص في فشل الحملة على الموصل حتى أن طارق الهاشمي شكا من كون الاعتقالات في الحملة كان قليلا، وهكذا أخذت المواجهات طابعا أمنيا أول ما استهدف قوى الصحوات باعتبارها الخطر الأكبر الذي يهدد المشروع الجهادي فضلا عن كونها العائق أمام الوصول إلى الأمريكيين.

إذن ما وقع فعلا هو تغير في الأداء والأهداف والأدوات والوسائل، وبهذه الطريقة كأن القاعدة تريد أن تقول لخصومها: إذا أردتم استنزافنا فلن نفرط في قوتنا، وإذا أردتم إرهاقنا فلن ندخل في مواجهات شاملة، وإذا حاربتمونا بالصحوات والعملاء أمنيا فسنحاربكم أمنيا وإذا تداعيتم علينا فلن تجدوا منا مقاتلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت