زيادة هاء السكت في) ياليتني لم أوت كتابيه. ولم أدر ما حسابيه. ياليتها كانت القاضية. ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه (( الحاقة:25 -29) وذلك لتتوافق الهاء إيقاعيًا مع التاء المربوطة التي تصير هاءً بالوقف، بل إن القرآن قد يغير من بنية الكلمة لأجل الإيقاع كما في) وطور سينين (( التين:2) وهو نفسه طور سيناء المذكور في سورة المؤمنون، لكن فواصل السورة كلها نونية فغير بنية الكلمة لتتوافق الفواصل، ومثله) وقد خاب من دسّاها (( الشمس:10) وأصله دسّسها، ولكنه لا يتوافق مع فواصل السورة إلا بالصيغة المذكورة، وكل ذلك يؤكد حرص القرآن على إيقاع الألفاظ الذي جُبل الناس على حبه، هذا مع الحرص على جانب الدلالة أيضًا.
2 -التقديم والتأخير: وهو يحدث كثيرًا في الفواصل القرآنية، وله بلاغته الخاصة وجماله وإيقاعه المؤثر، وهو في كلامنا عملية فنية معقدة تحتاج إلى خبرة عليا بفن القول، وترتبط بالمستويات العليا للغة، ويقول فيه العلامة عبد القاهر الجرجاني: هو باب كثير الفوائد، جمّ المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية ..." (2) ويدرسه المحدثون في نظرية النحو التحويلي تحت مصطلح"PERMUTATION""
والتقديم والتأخير عند العرب مرتبطان بفن القول، أي بالكلام ذي الطبيعة الفنية كالشعر والنثر الفني في ألوانه المتعددة، والضابط للتقديم والتأخير عندهم هو الإعراب الذي يحفظ لكل لفظ موقعه في بناء الجملة سواء ورد مقدمًا أم مؤخرًا، وفي جملة"ضرب عبد الله زيدًا"يقول سيبويه:"فإن قدمت المفعول وأخرت الفاعل جرى اللفظ كما جرى في الأول، وذلك قولك: ضرب زيدًا عبد الله، لأنك إنما أردت به مقدمًا ما أردت به مؤخرًا، ولم ترد أن تشغل الفعل بأول منه، وإن كان مؤخرًا في اللفظ، فمن ثم كان حدّ اللفظ أن يكون مقدمًا، وهو عربي جيد كثير، كأنهم يقدمون الذي بيانه لهم أهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعًا يهمانهم ويعنيانهم" (3)
ونستطيع أن نضيف مطمئنين إلى هذه الأهمية التي صارت من بعد مبررًا لكل تقديم وتأخير، نضيف إليها الاهتمام ببناء الجملة من حيث الإيقاع الذي يحدثه التقديم والتأخير أيضًا، كما تفصّله دراستنا هذه.
ومن صوره في الفواصل تقديم المفعول على الفاعل مثل) ولقد جاء آلَ فرعون النذرُ (( القمر: 41) وذلك لأن فواصل السورة كلها رائية فيتحقق الإيقاع الجميل بذلك، ومنه تقديم المفعول للاختصاص مثل) وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسَهم يظلمون (( البقرة: 57) فقد حقق تقديم المفعول (أنفسَ) غرضين، الأول: إيقاعي وهو إجراء الفاصلة بالنون لتتوافق إيقاعيًا مع غيرها، والثاني بلاغي وهو اختصاصهم بظلم أنفسهم، ومنه تقديم الضمير على ما يفسره في) فأوجس في نفسه خيفةً موسى (( طه:67) حيث قدّم الضمير العائد على موسى وأخّر الفاعل لرعاية الإيقاع في الفاصلة، وصور التقديم والتأخير في الفواصل كثيرة.
وقد أحصيت مواضع التقديم والتأخير في الفواصل فكانت في حوالي (990) موضعًا أي بنسبة 15,84% من مجموع الفواصل.
3 -الإحلال اللفظي: وهو إحلال لفظ محل آخر لدلالة بلاغية وحاجة السياق بعناصره المتنوعة، ويدرسه المحدثون تحت مصطلح " REPLACEMENT" وصوره كثيرة في الفواصل نذكر منها إحلال صيغة فاعل محل مفعول مثل) خُلق من ماء دافق (( الطارق:6) أي مدفوق كما ذكر البلاغيون، ولكن صيغة فاعل تُوافق الفواصل المنتهية بحرف مسبوق بألف المد، ولا توافقها كلمة مدفوق لأن حرف المد فيها الواو وهو لا يتجانس مع الألف بل مع الياء، وهنا نكتة بلاغية في استعمال لفظ فاعل وهي أن ذلك الماء لا يخرج إلا دفقًا أي سريعًا