وقال: كنت في حلقة أبي عمرو بن العلاء، فجاءه شبيل بن عزرة الضُبَعّيُّ، فتزحزح له أبو عمرو ورفعه، فقال لأبي عمرو: ألا تعجبون لرؤبتكم هذا؟! سألته مم اشتقاق اسمه فلم يعرفه! قال يونس: فما تمالكت أن قمت فجلست بين يديه، وقلت له: لعلك تظن أن معَّد بن عدنان كان أفصح من رؤبة! فأنا غلام رؤبة، فما الروبة والروبة والروبة والروبة والرؤبة إحداهن مهموز! فقام مغضبًا، فقال لي أبو عمرو: ماأردت بهذا؟ رجلٌ شريف أتانا في مجلسنا، فسؤته - أو قال: فأَذَّيته وأبسته -! قال: هو مثل التهكم! فقلت: والله ما تمالكت إن ذكر رؤبة أن قلت ما قلت. ثمّ فسّر لنا يونس ذلك فقال: الروُبة الحاجة، يقال: قمتُ بروبة أهلي، أي بحاجتهم؛ والروبة: ما يلقى في اللبن الحليب من اللبن الحامض حتى يروب؛ والروبة: جمام الفحل، يقال: أعرني روبة فحلك؛ والروبة: القطعة من الليل؛ والرؤبة القطعة من الخشب يشعب بها القعب ويرقع بها العُسُّ وما أشبه ذلك، يقال: رأبت الشئ أرابه رأبًا إذا أصلحته، والعمل الرأب وكلّ شئ أصلحته فقد رأبته، ومنه اشتقاق اسم رئاب، ومنه قولهم: اللهم أرأب ثأينا، أي أصلح فسادنا! ومن ذلك اشتقاق اسم رؤبة إن كان مهموزًا. - والروبة: من النوم ومنه"من المقارب":
فأما تميم تميمُ بنُ مُرٍ ... فألفاهمُ القومُ روبى نياما
ويقال: مازال على روبة واحدة، أي طريقة واحدة؛ قال: روبة البحر: وسطه ومعظمه، والمهموز منه: رأبت، من القطعة التي يرأب بها القَدَحُ. - قال: وقلت لرؤبة: مامعنى قوله عليه السلام: لاعدوى ولاطيرة ولا صفر، مالصفر؟ قال: داءٌ يأخذ الإبل، يعدي فيهم يخافون إعداءه.
وقال يونس: إني جالس إذ أقبلت جارية من أحسن الناس، ثم طلع فتىً في نحو هيئتها؛ فوقف علينا وسلم ودهش وخفي عليه مسلكها، فقلت له: أخذت ههنا! فاتبعها وهو يقول"من الطويل":
إذا سلكت قصد السبيل سلكته ... وتعدلُ أحيانًا بنا فنحيد
ويروى"فنميل"، ويروى:"وإن هي جارت جرت حيث تجور".
وقال الشعبي: وجد في خزائن عادٍ سهم ريشه ريش نسر مكتوب فيه"من الطويل":
فليس إلى أكناف صبح بذي اللوى ... لوى الرمل فأعذرن النفوس معاد
بلاد بها كنا وكنا نحبها ... إذا الناس ناس والبلاد بلاد
وقال يونس: ماصحَ عندنا ولابلغنا أنّ عليًا قال شعرا إلا هذين البيتين"من البسيط":
تلكم قريش تمنتني لتقتلني ... فلا وربك مابروا وما ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات روقتين لايعفو لها أثر
قال ثعلب: يقول أترك فيهم آثارًا لاتذهب.
وقال: الظل من طلوع الفجر إلى زوال الشمس، والفيء من زوال الشمس إلى الليل، وأنشد لابن سلاّم"من الطويل":
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل
وأنشد"من الطويل":
فلا ظلٌ من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تطيق
قيل ليونس: قد بلغت سن الشيخوخة، فقال: هذا الذي كنت أتمنى. أخذ هذا المعنى محمد بن عبد الملك الزيات فقال"من البسيط":
وعائبٍ عابني بشيبٍ ... لم يعد لما ألمَّ وقته
فقلت: إذ عابني بشيبي ... يا عائب الشيب لا بلغته
لم نجد في نسبه زيادة على أسم أبيه، ويقول البصريون: لايعرف أحدُ سميّ بأحمد بعد النبي صلى الله عليه وسلم قبل أبيه، وهو من الأزد من حي يقال لهم الفراهيد. وسئل: من أي العرب أنت؟ فقال: فرهيدي. ثم سئل، فقال: فرهودي. قال أبو العباس: قوله"فراهيدي"أنتسب إلى فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وكان من أنفسهم صحيح النسب معروف الأهل؛ وقوله"فرهودي"انتسب إلى واحد الفراهيد وهو فوهود، والفراهيد صغار الغنم. - وكان من أهل عمان من قرية من قراها. ثم أنتقل إلى البصرة. - وكان من أزهد الناس وأعلاهم نفسًا؛ وكان يعيش من بستان له بالخريبة خلفه له أبوه. - وكان يحج سنة ويغزو سنة إلى أن مات.
وكان يقول: أشتهي أن أكون عند الله من أرفع الناس وعند الناس من أوسط الناس وعند نفسي من أسفل الناس. وكان يدعو بذلك. - ومر بقوم يتكلمون فيه فقال"من الطويل":