... جاء في سيرة ابن هشام، وذلك عند الحديث عن هجرة المسلمين إلى الحبشة، عندما استدعى النجاشي المسلمين ليسمع منهم، فكان جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، هو المتحدث باسمهم، وكان مما قال:"أيها الملك، كنّا قومًا أهل جاهليّة؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيءُ الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف؛ فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منّا، نعرفُ نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ...".
تعليق:
اللافت أنّ جعفر، رضي الله عنه، لم يقم بتعريف الإسلام وتعديد أركانه، وإنّما أسهب في الحديث عن النقلة التي أحدثها الإسلام، وهذه أقصر الطرق إلى عقول الناس وقلوبهم.
إنّ عظمة الفكرة لا تكمن في صحتها واستنادها إلى المنطق السليم فقط، وإنما في فاعليتها وآثارها، وقدرتها على نقل الناس من واقع سلبي إلى واقع إيجابي.
إنّ ما حصل من تغيير في واقع العرب والبشريّة بعد نزول الإسلام لهو خارق للعادة، لم تشهد البشريّة له مثيلًا من قبل، ولا من بعد. بل يمكن اعتباره من وجوه إعجاز الرسالة الإسلاميّة.
بعض مجالات هذه النقلة:
النقلة المعرفيّة: من أجل إحداث تغيير جوهري لا بُدّ من توسيع المعرفة وتصحيح الأخطاء العلميّة، عندها لا بد أن ينعكس ذلك في واقع الناس في كافة المجالات، وعلى رأسها الجانب العقَدي؛ فعندما تحدّث القرآن الكريم عن بعض مظاهر الكون، وأعطى فكرة صحيحة عن حقيقة الشمس والقمر والأفلاك، ساعد ذلك في تغيير اعتقادات الناس في هذه الأجرام السماوية.