فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 127

…أمّا معنى الفكر، فهو أنه إذا كان لهذا المعنى الذي تضمنه اللفظ واقع يقع عليه الحس أو يتصوره الذهن كشيء محسوس، كان هذا المعنى مفهومًا عند من يحسه ويتصوره، ولا يكون مفهومًا عند من لا يحسه ولا يتصوره، وإن كان فهم هذا المعنى من الجملة التي قيلت له أو التي قرأها. ومن هنا كان من المحتم على الشخص أن يتلقى الكلام تلقيًا فكريًا سواء قرأه أو سمعه. أي أن يفهم معاني الجمل كما تدل عليه من حيث هي، لا كما يريدها لافظها أو يريدها هو أن تكون. وأن يدرك في نفس الوقت واقع هذه المعاني في ذهنه إدراكًا يشخِّص له هذا الواقع، حتى تصبح هذه المعاني مفاهيمًا. فالمفاهيم هي المعاني المدرَك لها واقع في الذهن، سواء أكان واقعًا محسوسًا في الخارج أم واقعًا مسلَّمًا به أنه موجود في الخارج، تسليمًا مبنيًا على واقع محسوس. وما عدا ذلك من معاني الألفاظ والجمل لا يسمى مفهومًا، وإنما هو مجرد معلومات.

…وتتكون هذه المفاهيم من ربط الواقع بالمعلومات، أو من ربط المعلومات بالواقع، ويتبلور هذا التكوين حسب القاعدة أو القواعد التي يجري عليها قياس المعلومات، والواقع حين الربط. أي حسب عقله للواقع والمعلومات حين الربط، أي حسب إدراكه لها. فتوجَد بذلك للشخص عقلية تفهم الألفاظ والجمل، وتدرك المعاني بواقعها المشخَّص، وتصدر حكمها عليه. وعلى ذلك فالعقلية هي الكيفية التي يجري عليها عقلُ الشيء، أي إدراكه. وبعبارة أخرى هي الكيفية التي يُربط فيها الواقع بالمعلومات، أو المعلومات بالواقع بقياسها إلى قاعدة واحدة أو قواعد معينة. ومن هنا يأتي اختلاف العقليات كالعقلية الإسلامية، والعقلية الشيوعية، والعقلية الرأسمالية، والعقلية الفوضوية، والعقلية الرتيبة.

…أمّا نتائج هذه المفاهيم فإنها هي التي تعيِّن سلوك الإنسان نحو الواقع المدرَك، وتعيِّن له نوع المَيْل لهذا الواقع من الإقبال عليه أو الإعراض عنه، وقد تجعل له مَيلًا خاصًا وذوقًا معيّنًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت