…ولذلك لا توجد في الإسلام مغيَّبات بحتة. والمغيَّبات التي أمر الإسلام بالإيمان بها ليست غيبية بحتة، وإنّما هي مغيَّبة موصولة بالعقل، بإدراك العقل لما دل عليها وهو القرآن والحديث المتواتر. وعلى ذلك كان الإسلام كله واقعًا موجودًا في الحياة الدنيا، لأن لكل فكر فيه واقعًا في ذهن الإنسان، مستندًا إلى الحس، مستندًا إلى العقل. ومن هنا كان العقل هو الأساس الذي يبنى عليه الإسلام عقيدة وأحكامًا. وكانت عقيدته وأحكامه أفكارًا لها واقع، وكانت عقيدته وأحكامه مدرَكة إدراكًا واقعيًا، لا فرق في ذلك بين المغيَّبات والمحسوسات، ولا بين الأحكام على الأشياء وهي الأفكار، وأحكام الأشياء وهي معالَجات، أو الإخبار بالإشياء أو عن الأشياء.
…فالأفكار والأحكام والمحسوسات والمغيَّبات كلها وقائع لها واقع في الذهن مستند إلى العقل أو الإدراك أو الفكر.
…أمّا العقيدة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر، فإنها كلها مصدَّق بها بناء عن واقع موجود لها، ولكل واحدة منها واقع في الذهن.
…فالإيمان بالله والقرآن ونبوة محمد قد حصل بناء على إدراك العقل حسًا بوجود الله الأزلي الذي لا أول له. وإدراك العقل حسًا أن القرآن كلام الله، بإدراكه في كل وقت حسًا، إعجاز القرآن للبشر. وإدراك العقل حسًا بأن محمدًا نبي الله ورسوله بإدراكه حسًا أنه هو الذي جاء بالقرآن كلام الله المعجِز للبشر. فهذه الأشياء الثلاثة: وجود الله، وكون القرآن كلام الله، وأن محمدًا رسول الله، قد أدرك العقل مباشرة واقعها بواسطة الحس قطعًا، فآمن بها وصار لها واقع في الذهن وواقع محسوس.