ومع أهمية هذه المحاذير إلا أن لكل قضية جوانب ذات فوائد، وجوانب ذات أضرار ، والعبرة في ذلك لرجحان هذه أو تلك ؛ فعقم الإنسان -مثلًا- لابد أن ينكشف في الحال أو المآل ، ومرض المرأة لابد أن ينكشف كذلك، وقد يكون في اكتشاف العقم أو المرض دافع لعلاجهما، ناهيك بأن ما يقوله الطب عن هذا العقم أو ذاك المرض لا يدل على الجزم بوقوعه ، فقد يكون هذا القول مجرد احتمال وظن يقبل الخطأ كما يقبل الصواب ، وقدرة الله وقدره فوق كل قول، وحكمة الله والاعتقاد في شفائه والصبر على قضائه أساس في إيمان المسلم وعقيدته ؛ فقد يكون العقم خيرًا لصاحبه ، وقد يكون المرض كذلك ، وللمرض أوقات وللشفاء كذلك ، وما على الإنسان إلا أن يرضى بما كتبه الله له ، فهو أعلم بما ينفع خلقه في الحال والمآل .
ولعل ما يصعب في مسألة الفحص الطبي قبل الزواج قضية إفشاء سر المريض ، ومع أخذ هذه الحساسية في الحسبان ، فإن للسر قواعد وأحكامًا فالمصلحة قد تقتضي الكشف عنه لذي مصلحة فيه ، فالطبيب أو المسئول عن الفحص بمثابة المؤتمن لمن يستشيره ، والناصح لمن يطلب نصيحته. والأصل في هذا قول الله تعالى على لسان نبيه نوح حين قال لقومه وأنصح لكم (1) . وقوله عز وجل على لسان نبيه هود حين قال لقومه وأنا لكم ناصح أمين (2) . والأصل في هذا أيضًا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المستشار مؤتمن) (3) . وقوله عليه الصلاة والسلام: (الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (4) . وقد طبق ذلك عليه الصلاة والسلام في نصحه لمن استشاره ، ومن ذلك لما أتاه رجل يخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار ، قال له: (أنظرت إليها ؟) قال: لا ، قال: (اذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئْا) (5) . ولما بايع جرير بن عبد الله على الإسلام شرط عليه النصح لكل مسلم (1) . ولما أخبرته فاطمة بنت قيس أن معاوية وأبا جهم وأسامة بن زيد خطبوها ، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما معاوية فرجل ترب لا مال له ، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء ولكن أسامة ..) (2) .