وفي حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من زارني ميتًا فكأنما زارني حيًا، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، ومن مات من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر) .
وعن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يَحُفُّوا بالقبر يضربون بأجنحتهم، ويُصَلُّون على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا أمسوا عرجوا، وهبط مثلهم، فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقت الأرض يخرج في سبعين ألفًا من الملائكة يوقرونه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
فصل
ينبغي لمن قصد زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجتهد أولًا في إخلاص النية، وتصحيح العقيدة في ذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما الأعمال بالنية وإنما لكل امرىء ما نوى) .
وليحرص على تحصيل رفيق موافق، رَفِقٍ، مرغِّبٍ في الخير، كاره للشر، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، جعلنا الله كذلك.
ثم ينوي زيارته صلى الله عليه وآله وسلم، فإن من حج ولم يزره فقد جفاه، ولم يحسن فيما أتاه، لما تقدم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من حج ولم
يزرني فقد جفاني).
قال صاحب إتحاف الزائر: ويضيف إلى نيته القرب إلى الله عز وجل بالمسافرة إلى مسجده صلى الله عليه وآله وسلم بشد الرحال إليه، والصلاة فيه، لئلا يفوته ما دل عليه الحديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) .
والحديث الآخر: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد) .
قال لنا شيخنا أبو عمرو رحمه الله تعالى: ولا يلزم من هذا خلل في زيارته على ما لا يخفى، والله أعلم.
ومعنى لا تشد الرحال أنه إذا نذر الصلاة في بقعة غير هذه المساجد الثلاثة لا يلزمه أي: لا ينعقد نذره فيجب عليه أن يشد إليه الرحال، ويقطع إلى قصدها المسافة بالرحال.
وقد تشد الرحال إلى المسجد الحرام فرضًا للحج والعمرة.وكانت تشد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم للهجرة.
وكانت واجبة على الكفاية في قول أهل العلم.
فأما إلى البيت المقدس فإنها فضيلة واستحباب، والحديث يتأوّل على أنه: لا يعتكف إلا في هذه المساجد الثلاثة، فيرحل إليها إذا نذر الاعتكاف فيها، وهو قول بعض السلف، ولو عين الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة، هل يتعين أم لا؟. فيه خلاف، والله أعلم، انتهى كلامه.