فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 10

ولا أدل على ذلك من وصية الباري جل وعلا لنبيه ومصطفاه صلوات الله وسلامه عليه ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ) (1) , لأن من كسل لم يؤد حقاَ , ومن ضجر لم يصبر على الحق , والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . وليس في سياط التأديب للنفس أجود من سوط عزم وإلا ونت وأبت , لأن فساد الأمر في التردد , والنفس عباد الله من أعجب الأشياء مجاهدة , لأن أقواماَ أطلقوها فيما تحب فأوقعتهم فيما كرهوا , وآخرين بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها , وإنما الحازم من تعلم منه نفسه الجد وحسب الأصول . فإذا ما فتح لها في مباح لم تتجاسر أن تتعداه لأن تفقد النفس حياة والإغفال عنها لون من ألوان القتل صبرا , والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم .

إن الحياة الدنيا لا تخلو من عقوبة , ومن عاش لم يخلو من المصيبة , وقلما ينفك عن عجيبة . وإن من أعظم العقوبات عباد الله عدم إحساس المُعاقَب بها , بل وأدهى من ذلك وأمر السرور بما هو عقوبة كالفرح بالتقصير بعد التمام , أو التمكن من الذنوب بعد الإقلاع عنها . ومَن هذه حاله لا يفوز بطاعة ولو غش نفسه بعبادات موسمية ذات خداج لوجد خفيّ العقوبة الرئيس، وهو سلب حلاوة المناجاة أو لذة التعبد , إلا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات من عبَّاد رب الشهور كلها ، بواطنهم كظواهرهم , شوّالهم كرمضانهم ، الناس في غفلاتهم وهم في قطع فلاتهم ، فأخلص لمديم القرع منهم للأبواب أن يلج , لأنهم تغلَّبوا على طباعهم ذات الجوانب الكثيرة , ولذا فليس العجب أن يَغلب الطبع وإنما العجب أن يُغلب .

(1) سورة الشرح: 7 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت