المقدمة
في جو الهزيمة التي تعيشه الأمة؛ والظلام الذي يحيط بها من كل جانب؛ ظلمات بعضها فوق بعض كما قال الله تعالى (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) [النور: 40] .
فهي تعيش في ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض؛ ظلمات التأخر الفكري والحضاري؛ يعلوها ظلمات الجهل والأمية؛ يعلوها ظلمات الخرافة والضلال يعلوها ظلمات الهزيمة والسخيمة؛ يعلوها ظلمات الفكر المادي الملحد والعلماني؛ يعلوها ظلمات التجزئة والدول على مستوى الحارات مما أوقع الأمة في اليأس والقنوط. فكان لا بد لهذا الظلام من نور ليبدده ولهذا الليل من آخر، فجر يشرق على الأمة بنور الله بالنصر الحتمي والغلبة على أعداء الله والخلاص من التجزئة وقيام دولة الإسلام وذهاب دولة يهود.
وقد نتج عن هذا الوضع المؤلم وهذا الظلام الدامس أسئلة يرددها الناس في المجتمع.
هل إلى خلاص من سبيل؟ وكيف؟
وهل عند هذه الأمة مقدرة على النهوض مرة أخرى؟
وهل تستطيع أن تجابه الدول الكبرى، والنظام العالمي الجديد؟
وهل إسرائيل جاءت لتبقى؟ وكيف السبيل إلى الخلاص منها؟
وهل التجزئة مفروضة على هذه الأمة لا سبيل إلى الوحدة فيها أو الاتحاد؟
وهل سيعود الإسلام ليحكم في الأرض ليطهر الإنسانية التي تعاني من الشقاء الذي تعيش؟
وهل كل ذلك ممكن أن يكون والأمة لا تملك من الوسائل المادية ومن وسائل التدمير الذي يملكها عدوها ولا تملكه؟
وهل يمكن للمسلمين أن يتغلبوا على أمريكا وهي التي تملك القوة كلها وعلى أوروبا والغرب؟
أما العلمانيون ومن تربوا في مدارس الغرب الفكرية ممن لا يعنيهم القرآن الكريم والحديث النبوي لا في قليل ولا في كثير، ولا يعنيهم تاريخ هذه الأمة الذي أشرق على الدنيا ذات يوم بنور الله، فبدد الظلم والظلام، هؤلاء الناس رضوا بالحياة الدنيا وأطمأنوا بها، يدعون الأمة لترضى بالذل وتقبل بالهوان، رسالتهم في الحياة أن يأكلوا ويشربوا ويتلذذوا بأنواع اللذة ولو عاشوا في ذل وهوان وعاشت أمتهم في الحضيض. فجاء هذا الكتاب ليرد على هذه الأسئلة جميعا من خلال كتاب الله وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومن خلال تاريخ هذه الأمة حينما كانت صاحبة رسالة، ففتح الله لها الأرض وأزال على يديها الإمبراطوريات، هذه الإمبراطوريات التي يمثل واقعها في ذلك الحين قول شوقي رحمه الله:
أتيت والناس فوضى لا تمر بهم ... إلا على صنم قد هام في صنم
مسيطر الفرس يبغي في رعيته ... وقيصر الروم من كبر أصم عم
يعذبان عباد الله في شبه ... ويذبحان كما ضحيت بالغنم
والخلق يفتك أقواهم بأضعفهم ... كالأسد بالبهم أو كالحوت بالبلم