نأخذ مثالًا بخلق سيئ كالكبر، فهو يغذى أخلاقًا مذمومة كالعلو والفخر، والبطر والظلم والعدوان، لكنه أيضًا يغذى أخلاقًا حميدة كعلو الهمة، والآنفة والحمية والمراغمة لأعداء الله وقهرهم والعلو عليهم، فلماذا لا تبقيه على حاله في النفس لكن نستعمله حيث يكون استعماله أنفع . . . مثال آخر بالخيلاء وهو خلق سيئ يبغضه الله، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبو دجانه يتبخر بين الصفين فقال (أنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع ) فصارت الصفة المذمومة عبودية، وجعل هذا الخلق يجرى في أحسن مواضعه . وكذلك خلق الغضب الذي يحمل على الكبر والحسد والحقد والعدوان والسفه، فيمكن استعماله في الغصب لله وذلك يعين على ترك الغضب للنفس . وسيأتي تفصيل ذلك .
تولد الأخلاق السيئة:ـ
الله سبحانه قد اقتضت حكمته أن ركب الإنسان ـ بل وسائر الحيوان ـ على طبيعة محمولة على قوتين: غضبية وشهوانية إرادية . وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها . فبقوة الشهوة والإرادة: يجذب المنافع إلى نفسه . وبقوة الغضب: يدفع المضار عن نفسه . فإذا استعمل الشهوة في طلب ما يحتاج إليه تولد منها الحرص وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه تولد منه القوة والغيرة فإذا عجز عن دفع ذلك الضار أورثه قوة الحقد . وإن عجزه وصول ما يحتاج إليه ورأى غيره مستبدا به أورثه الحسد . فإن ظفر به أورثته شدة شهوته وإرادته خلق البخل والشح وعدم العفة، والنهمة والجشع والذل والدناءات وإن اشتد حرصه وشهوته على الشيء ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية فاستعملها فيه: أورثه ذلك العدوان والبغي والظلم، ومنه يتولد الكبر والفخر والخيلاء . فإنها أخلاق متولدة من بين قوتي الشهوة والغضب وتزوج أحدهما بصاحبه . ويتولد من بين كل خلقين من هذه الأخلاق أخلاق مذمومة، لا سيما مع الجهل الذي يريه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، والكمال نقصا والنقص كمالًا . ثم الظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه . فيغصب في موضوع الرضى ويرضى في موضع الغضب، ويعجل في موضع الأناة، ويبخل في موضع البذل، ويبذل في موضع المنع ، ويلين في موضع الشدة ، ويشتد في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع، ويحجم في موضع الإقدام ويقدم في موضع الإحجام .
أ-الشهوة والإرادة (في جلب المنفعة) (يتولد) الحرص:
1-مع عجز (يتولد) الحسد.