فهذا خلق واحد يحتاج إلي علم صحيح بحده كما سبق، ويحتاج إلى معرفة وتقدير صحيح لمواضع الخير والشر ووضع الخُلُق موضعه الصحيح (وذلك من أحسن الأخلاق) كما يحتاج لصرف الطرفين السيئين (التهور والجبن) وما بينهما من مراتب كثيرة (وذلك من أسوأ الأخلاق) . . . ويتبقى خُلُق الشجاعة لا يهدى إليه علما وعملا إلا: الله سبحانه، كما لا يصرف التهور والجبن علما وعملا إلا الله سبحانه، لا سيما و4 النفس أمارة بالسوء والإنسان ظلوم جهول، فيجهل حدود الأخلاق، وإن عرفها وضعها في غير مواضعها، فيضع الغضب موضع الحلم وبالعكس، ويضع الإمساك موضع البذل وبالعكس . . . فالهداية لأحسن الأخلاق، وصرف سيئها لا يعتمد عليه إلا الله عز وجل . وعلم الحدود هو من أشرف العلوم وأنفعها، حدود الأخلاق والأعمال والمشروعات (أمرا ونهيا) . . . فأعلم الناس هو أعلمهم بتلك الحدود فلا يُدخل فيها ما ليس منها ولا يُخرج منها ما هو داخلٌ فيها . قال تعالى: (الأعراب أشد كفرًا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) فإذا أمر الله بالعدل والإحسان، وجب أن نعلم حد العدل المأمور به وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط حتى في الأمور الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك .إذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين كانت عدلا وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا . . وكذلك في الإحسان وفى الفحشاء والمنكر والبغي وفي كل ما أمر به الله أو نهى عنه . وينبغي أن يعلم أن حسن الخلق هو الدين كله وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، وما قابل ذلك هو الإثم . وفى صحيح مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ (الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ) وبمعنى آخر: فإن حسن الخلق هو معاملة الله بالتقوى، ومعاملة الناس بالإحسان .وبالتالي فحسن الخلق طمأنينة النفس والقلب (كما في الحديث الآخر: الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ) رواة أحمد وفي صحيح الجامع برقم2880.وذلك هو الحياة الطيبة التي أخبر الله عنها في كتابة (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة . . . الآية) ويقابل ذلك الإثم وهو حواك الصدور، وما