الصفحة 3 من 33

والعراقي تتنازعه نفسيات عدة ؛ فأولها: أن العمق الحضاري المذكور ارتبط واختلط في جيناته ؛ ففيه مزيج من العزة والثقة بهذه الهوية ، وتتأكد هذه الهوية عندما يتقلب ذات اليمين فيرى دجلة شاهدة على تأريخه الثقافي الكبير ، ويتقلب ذات اليسار فينظر الفرات يسجل تاريخ السالفين الغابرين من ابطال الأمم عامة ومن ابطال هذه الأمة خاصة ، إن الماشي في بغداد يرى قبر معروف الكرخي ، فتذكره بالزهدِ والمحافل الإيمانية ودموع الليل الطويل الذي امضاه هؤلاء الزهاد ، وإذا مشى قليلًا تذكر مقبرة حرب وأبناء هذه القبيلة البارة الذين ملئوا بغداد وماحولها علمًا وعلى رأسهم الإمام: إبراهيم الحربي رحمه الله . وإذا نظر في الأعظمية نظر إمامها الأوحد الإمام ابا حنيفة ، وكذلك إذا قلب النظر رأى امام السنة احمد بن حنبل ووجد كثيرًا من هؤلاء وأمثالهم من العلماء ، وفي بغداد اجتمع سفيان والحمّادان وابن المبارك ، وخرج الرشيد غازيًا مرة وحاجًا مرة أخرى ، هذا التاريخ العريق يمزج هوية العراقي بعزة وانطلاقة لاتكاد تجدها في غيره إلا قليلًا ، يضاف إلىهذا كله ذكاء فطري طبيعي متميز عند معاشر العراقيين ابناء الرافدين ، وهذاالذكاء تفجّر حتى عُرف في أوروبا وكندا وامريكا واستراليا وغيرها ، فهم معروفون بذكائهم الفطري الذي فاقوا به غيرهم . هذا هو الجزء المُشرق من نفسية الإنسان العراقي ؛ ومع ذلك فالعراقيون على مدار تاريخهم كانوا محطة تمر بهم الثقافات والدول ، فمرةً تغزوهم فارس ، ومرة يضطهدهم ملوك الخطا والتتر ؛ ومرة يحاربون بني إسرائيل ، وثالثة أخرى تؤثر فيهم الدولة الصفوية ، ولا تحسن توظيفهم الدولة الإسلامية في الخلافة العثمانية ، ثم تكون فتنة هاهنا وهاهناك خاصة في جنوب العراق في منطقة الكوفة ؛ والتي هي المقصودة بكلامِ السلف الاول عن العراق ، وكلام الحجاج والذي ضرّه قبل أن يضرّ أهل العراق فهذه هي مدينة الكوفة ؛ والتي انتهت كمدينة ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت