لا يهمني في هذا البحث من يكون الشاعر غيلان بن عقبة المنبوز بذي الرمة (1) . ولا يهمني أيضًا ما ذكر من أخبار له قصيرة في هذا المصدر أو ذاك من كتب التراجم والأعلام والطبقات، التي ألّفت حديثًا أو فيما غبر من ماضي الزمان (2) . ولا تستوقفني الآراء الكثيرة التي قيلت في شعره، ما كان منها تقريظًا له واستحسانًا، أو انتقادًا له واستهجانًا (3) . سواء تلك التي صدرت عن أئمة اللغة والنحو كأبي عمر بن العلاء، وأبي سعيد عبد الملك بن قريب المعروف بالأصمعي (4) . أم التي صدرت عن النقاد والبلاغيين من أمثال ابن المعتز وأبي هلال العسكري (395هـ) (5) .
... ولا تستهويني كذلك الملاحظات العديدة التي قيلت، أو تقال عن طبعات ديوانه، وتحقيقه، وما أخذه اللاحق عن السابق من جماعة المحققين المعنيين به وبشعره وبأخباره (6) . إنما الذي يستهويني هو: ما تثيره أشعاره لدى الناظر المتأمل فيها، المتدبر في تراكيبها ومعانيها، من أسئلة تدور حول تجاوزه معايير من النحو، وقوانين من الصرف في العربية.
... فهل كان ذلك عن ضعف سليقة فيها، ونقص كفاية في نحوها وصرفها، وصوتياتها، ودلالاتها؟ أو أنه يفعل ذلك متوسعًا في الأداء النحوي، مستجيبًا لدواعي الأسلوب التي لم يدركها النحاة؟ أو أنه يفعل ذلك تبعًا لما كان يتمثله في شعره من أبعاد لهجية عرفت بها تميم التي ينتمي إليها وينتسب، وبها يدل ويفخر (7) ؟ أو أن النحاة، واللغويين جاروا عليه جورًا شديدًا في أحكامهم لأنهم ساروا في طريق آخر غير الذي سار عليه، واتخذوا مذهبًا غير المذهب الذي تقلده واتجه إليه؟
... يجد الناظر في شعر ذي الرمة أبياتًا غير قليلة ينحو فيها المنحى المغاير لما تحتمه قواعد النحو التي وضعت صياغتها النهائية في زمن لاحق للزمن الذي عاش فيه (77-117هـ) . من ذلك ما يتصل باستخدام بعض الحروف أو الأسماء بحيث جاءت في شعره مغايرة الصورة المألوفة في العربية.