فرعون لم يكونوا ممن يزجر الطير فيما علمنا من أحوال تاريخهم، ولكنهم زعموا أن دعوة موسى فيهم كانت سبب مصائب حَلَّتْ بهم، فَعُبِّر عن ذلك بالتطير على طريقة التعبير العربي+.
إلى أن قال: =فمعنى =يطيروا بموسى+ يحسبون حلول ذلك بهم مُسَبَّبًا عن وجود موسى ومن آمن به، وذلك أن آل فرعون كانوا متعلقين بضلال دينهم، وكانوا يحسبون أنهم إذا حافظوا على اتِّباعه كانوا في سعادة عيشٍ؛ فحسبوا وجودَ من يخالف دينهم بينهم سببًا في حلول المصائب، والإضرار بهم؛ فتشاءموا بهم، ولم يعلموا أن سبب المصائب هو كفرهم وإعراضهم؛ لأن حلول المصائب بهم يلزم أن يكون مُسَبَّبًا عن أسباب فيهم لا في غيرهم.
وهذا من العماية في الضلالة، فيبقون منصرفين عن معرفة الأسباب الحقيقية، ولذلك كان التطير من شعار أهل الشرك، لأنه مبني عن نسبة المسببات لغير أسبابها، وذلك من مخترعات الذين وضعوا لهم ديانة الشرك وأوهامها+ [1] .
وقال_تعالى_في سورة يس عن أصحاب القرية التي جاءها المرسلون: [قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ] (يس: 18، 19) .
والمعنى_والله أعلم_: حظكم وما نابكم من شرٍّ بسبب أفعالكم، وكفركم، ومخالفتكم الناصحين، ليس هو من أجلنا، ولا بسببنا، بل ببغيكم، وعداوتكم؛ فطائر الباغي الظالم معه؛ فما وقع به من الشرور فهو سببه الجالب له، وذلك بقضاء الله، وقدره، وحكمته، وعدله كما
(1) التحرير والتنوير 5/ 66.