فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 538

إذن ينبغي أولًا أن نرجع إلى هذا الحدث فننظر فيه نظرةَ الباحث المدقّق حتّى تتبَلور لنا نتائجه الّتي أسفرت عن اختلاق معتقَداتٍ خطيرةٍ وظهور نزعاتٍ غريبةٍ على الإسلام. ولكن تبنّاها رجالٌ، وتشرّبتْها عقولٌ، واعتنقَتْها جماعاتٌ وطوائفُ، واحتسب في الدفاع عنها آلافٌ مؤلّفةٌ من الناس عَبْرَ الأجيال من هذا الشعب.

لقد ورد في المصادر الّتي صنّفها علماء الأتراك بالذات؛ أنّ الإسلام انتشر بين صفوف الّذين اعتنقوه من آبائهم الأوّلين بغير الوجه الّذي انتشر بين غيرهم من الشعوب والأمم. فاختلف فهمُهم لهذا الدين بعكس ما أدركه العرب وعلِموه وتذوّقوه وتعاطوه عقيدةً وسلوكًا. وهذا أمر جدير بالبحث الدقيق في جوانبه الّتي لم يتوقّف عليها كثير من علماء التاريخ وخبراء علم الاجتماع. لقد كان اعتناق الأتراك للإسلام أمرًا غريبًا من منطلق العاطفة وليس عن رويّةٍ. يبرهن على ذلك إقبالهم على الدّين الجديد عن طيبة نفسٍ، دون أن يتحسّسوا معالِمَهُ. ذلك أنّ اختلاف لغتهم، وسذاجة طباعهم، وبساطة عقولهم لم تسمح لهم يومئذٍ ليتأكّدوا من أحكام هذا الدّين وضوابطهِ التي يحدّد موقف العبد أمام ربّه على أساسِ مبدأ التوقيفية. ولكنّهم لمسوا الإسلامَ وكأنّه نسيمٌ يهبّ من رياض الجنّةِ على نفسهم لتطمئنّ بها، فاستقبلوه كمصدرٍ للتسلية والعزاء والدّعاء والابتهال والاتصال بأرواح الآباء. فما لبس هذا الدّين حتىّ امتزج بعقائدهم القديمة، فتحوّل إلى طرائق صوفيةٍ وطقوسٍ روحانيةٍ وتمائم وألغاز وشعوذةٍ وحلقاتِ ذكرٍ موروثةٍ من مجوس الهندِ، وخرافات وأساطير ما أنزل الله بها من سلطان. فنشأت الطريقة النقشبنديّة كنتيجةٍ تمخّضت عن هذه التطوّرات، حتّى فصلَتْهم عن الإسلام وأبعدَتْهم عن حقيقة الإيمان بالله وتوحيده. ولهذا حار المُصلحون ورجال الإرشاد في محاربة الفساد والبدع الّتي انتشرت بين الأتراك والطوائف التابعة لهم من الأكراد والظاظا والشراكسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت