لحق التطوّر هذه الطريقةَ خلال القون السبعة الماضية ما لم يعرفه الأوّلون من أمورٍ سمُّوها آدابًا وأركانًا على حساب الإسلام. وقد ألغوا بعضَ ما أقرّه أسلافهم. وهذا من طبيعة التصوف الّذي انبثقت منه سائر الطرق الباطنيّة والمذاهب الغالية، والجماعات الإباحية والتنظيمات الإرهابية، وفرختْ زنادقةً أرادوا هدم الإسلام وإثارة الفتن بين صفوف المسلمين.
اتّخذتْ الطريقةُ النقشبنديّةُ اللّغةَ الفارسيّة كأداةٍ للدّعاء والعبادة؛ ولا غرابة في ذلك. إذ أنّ قدماء الأتراك كانوا يسكنون بلاد ما وراء النهر وهي مجاورة للمنطقة الإيرانية الّتي تحول بينها وبين بلاد العرب، فتأثّروا بثقافة الفرس وحضارتهم تأثُّرًا بالغًا لأسباب عدّة:
منها، أن الفرس كانوا قد أسلموا قبلهم؛ ومنها أنّ الشعبَ الفارسيَّ يمتاز بحضارة عريقة، بينما الأتراك لم تكن لهم ثقافةٌ ولا حضارةٌ توحّد صفوفهم، وتجمع كلمتهم، وهم قوم لا أبجدية له, بل كانوا قبائل متفرقةً بدوِيَّةً تنتقل من مكان إلى مكان آخر تبعًا للظروف المناخيّة، يعيشون تحت خيامٍ من لِبادٍ، ويتتبّعون المراعي لأنعامهم. كانت قبائل الأتراك في القرون الوسطى متمايزةً جدًّا، لا تجمعهم لغةٌ واحدةٌ ولا دينٌ واحدٌ، ولذلك كانوا أسوأ حالًا من عرب الجاهليّةِ في النزاع والقتالِ. ولقد كانت الحروبُ سجالًا بينهم حتّى بعد إسلامهم. فلمّا اعتنقوا الإسلامَ تأثّروا فورًا بالثقافة الفارسيّة وحضارتها بحكم الجوار بعد أن جمع الإسلام بين صفوفهم وجعل منهم مجتمعا قويًّا. غلبت بذلك اللّغةُ الفارسيّة على لغتهم الأصليّة حتّى صارت هي اللّغةَ الرسميةَ للدّولة السلجوقية التركية46