فبحكم الطبع، لا يزور أحد من العوامّ شيخًا في تلك الزحمة الّتي يرى فيها آلافًا يتلهّف كلّ واحد منهم ليمسّ يده بشفتيه إلا عَلِقَتْ به نفسه، ونزعتْ إليه عواطفه، وامتلأ بمحبته قلبه، فكاد أن يسجد له لولا مخافةَ مقتٍ يُصيبه.
يرجع السبب في ذلك إلى ما ذكرنا آنفا من المظاهر الخلاّبة الجذّابة الّتي يتراءى الشيخ فيها للنّاس من اللّباس والحشم والجماهير الملتفّة حوله بالإضافة إلى ما يفعله من طأطأة الرأس وقلّة الكلام، والزهد المتصنّع وكثرة العبادة والآداب الّتي يفرضها على المريد.
فقد انتبه سلاطين الأتراك، ورجالات السياسة منهم خاصّة في المرحلة الأخيرة من الحكم العثمانيّ أنّ الطريقة النقشبنديّة تتّصف بسحر وجاذبية في جلب قلوب الناس وتسخيرهم. ولهذا قد اهتمّ خلفاء بني عثمان بمشائخ هذه الطائفة بداية من السلطان محمود الثاني. وقد تابعهم في هذه السياسة رجال السلطة اليهودية أيضا في العهد الجمهوريّ. فأدىّ هذا الاهتمام إلى انتشار الطريقة على ساحات شاسعة من البلاد.
وإذا مرّتْ بهذه الطريقة فترات زادت في بعضها نشاطًا وانتشارًا وفي بعضها انحطاطًا وتقلّصًا فقد بسطت سلطانها اليوم على أرض تركيا وهي تستغلُّ جهلَ الناس وحرصَ رجال السياسة، كما تهدّد العقيدة الحقّة، والقلةَ المؤمنةَ من أبناء هذه الديار.
الفصل الثاني
* آدابُ الطريقةِ النقشبنديّةِ، ومَصَادِرُهَا، وميّزاتُها.
* البيعةُ وآدابُ المشيخةِ، وآدابُ المريدِ مع شيخهِ عند النقشبنديّين، والغايةُ منها
* آدابُ الذكر عندهم
* الذكرُ بلسان القلب