الصفحة 8 من 10

ولا بد من النظر في القرائن المحيطة بالخبر، وهذه من الأمور المهمة، يقول ابن خلدون: إن الأخبار إن اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق، وكثيرا ما وقع للمؤرخين وأئمة النقل من الأغاليط في الوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا وسمينًا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط.

ومن الضوابط المهمة، الحرص على عدم ترديد الإشاعات، {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (النساء: من الآية83) . وهذا تأديب من الله لعباده، أن يردوا هذه الإشاعات والأخبار إلى أهل الرأي وأهل العلم، وأهل النصح وأهل العقل، وأهل الرزانة وأهل الخبرة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها، فإن رأوا فائدة في نشره نشروه بعد التأكد منه، وإن كانت المصلحة في كتمه كتموه وأمروا بكتمه، فهذه الأخبار الكاذبة والإشاعات، كالعملة المزيفة، يصكها مجرمون عتاة، ويتناقلها العامة والمساكين، وتستمر بأيديهم زمنًا دون أن يعلموا ما يفعلون.

فالخلاصة أن لا تكون يا عبد الله مقويًا للإرسال في مثل هذه الأمور، وكذلك فإن الأصل في المسلم براءة الذمة، وهذه من القواعد المهمة، فإنك إن بلغك عن مسلم خبر سيء، فتقول: ما شهدنا إلا بما علمنا، وما هو الأصل في المسلم؟ العدالة والسلامة، وهكذا قال أبو أيوب لما بلغه الخبر عن عائشة - رضي الله عنه -، قالت له امرأته: يا أبا أيوب، ألا تسمع ما يقول الناس عن عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذِب، أكنتِ يا أم أيوب فاعلة؟ قالت: لا واللهِ ما كنت لِأفعَلَهُ! .. قال: فعائشة واللهِ خيرٌ منكِ. سبحانك هذا بهتان عظيم.

عباد الله، وقد صار اليوم في نشرات الأخبار إبراز المذيعات المتبرجات وهو حرام، فيجب غض النظر عن صور النساء، وأحيانًا تظهر في الأخبار عورات، ولا يجوز إظهار عورة حي ولا ميت، وحتى في الفظائع والحروب لا يراعي حملة الكاميرات والذين يتولون البثّ، قضية مراعاة حرمة الأموات، والجرحى، فتنقل الكاميرات صور من تلك العورات مع أن الواجب ستر العورة المسلم، حيًا وميتًا، قتيلًا أو جريحًا، وأحيانًا تنشر صور في الاغتصابات والانتهاكات، ولا يجوز نشر صورة هذا أو هذه، لأن مثل هذا لا تجوز إشاعته وهو من باب الفضح، وأيضًا فإنه لا يجوز انتهاك حرمة الأموات في نشر صور أشلائهم، لأن الميت يجب أن يغطى، وليس أن ينقل ما عبث بجثته، وخصوصًا النساء، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَقْبَلَتْ امْرَأَةٌ تَسْعَى حَتَّى إِذَا كَادَتْ أَنْ تُشْرِفَ عَلَى الْقَتْلَى، قَالَ فَكَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت