وقال - صلى الله عليه وسلم - (ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا) رواه البخاري ومسلم.
والأحاديث في ذلك كثيرة لا يسعها هذا الموجز.
وجوب الصوم وشرائط وجوبه
يجب صوم رمضان باستكمال شعبان ثلاثين يوما أو رؤية هلاله ... لقوله - صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غبى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما) متفق عليه.
ويثبت هلال شهر رمضان بشهادة عدل واحد لما روى ابن عمر - رضي الله عنه - قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه) رواه الدارقطني وقال: تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة ورواه الحاكم في مستدركه عن هارون بن سعيد الأيلى ثنا ابن وهب به وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وصححه ابن حزم كلهم من طريق أبي بكر بن نافع عن نافع عن ابن عمر. ولأنه إيجاب عبادة فقبل من واحد احتياطا للفرض.
ويستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وتطلبه ليحتاطوا بذلك لصيامهم لقوله - صلى الله عليه وسلم: (احصوا هلال شعبان لرمضان) رواه الترمذي والحاكم ورجاله رجال الصحيح إلا محمد بن عمرو فإنه لم يخرجه الشيخان ورمز له السيوطي في الجامع بالصحة.
ومعنى احصوا: عدوا واضبطوا، والاحصاء أبلغ من العد لما فيه من الجهد في العد.
ويستحب لمن رأى الهلال أن يقول ما رواه طلحة بن عبيد الله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى الهلال قال: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله هلال رشد وخير) رواه الترمذي وقال حديث حسن
وشرائط وجوب الصوم أربعة أشياء:
الإسلام، والبلوغ، والعقل، والقدرة على الصوم حسا وشرعا ولا يجب الصوم على أضداد ذلك.
فالكافر لا يجب عليه الصوم وجوب مطالبة به في الدنيا لعدم صحته منه، ... وإن وجب عليه وجوب عقاب في الآخرة لتمكنه من فعله بالإسلام وإذا أسلم الكافر لا يجب عليه القضاء لقوله جل وعز: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} الأنفال (38) وذلك لأن إيجاب قضاء ما فات ... في حال كفره فيه تنفير عن الإسلام.
وأما المرتد والعياذ بالله فيجب عليه وجوب مطالبة، بأن يقال له أسلم وصم ولا يصح منه الصيام في حال ردته وإذا عاد إلى الإسلام وجب عليه القضاء لأنه التزم ذلك بالإسلام فلم يسقط ذلك بالردة كحقوق الآدميين والله أعلم
ولا يجب الصوم على المجنون والصبي لعدم تكليفهما لقوله - صلى الله عليه وسلم - (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق) قال النووي في المجموع الحديث صحيح. وفي رواية أخرى: ... (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر) وقد رمز له السيوطي بالصحة، وقال ابن حجر رواه أبو داود والنسائي والدار قطني والحاكم وابن حبان وابن خزيمة من طرق ... عن علي وفيه قصة جرت له مع عمر وعلقها البخاري.
لكن إذا كان الصبي مميزا وصام صح منه بل يؤمر لسبع سنين إذا أطاقه ويضرب عليه لعشر وذلك للتمرين عليه كما في الصلاة.
وكذلك لا يجب الصوم على العاجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى له برؤه، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج (78) .
وقوله جل شأنه: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة (184) . وتجب عليهما الفدية وهي: إطعام كل يوم مسكينا، لما رواه البيهقي والطبراني (أن أنسا - رضي الله عنه - ضعف عاما قبل موته فأفطر وأمر أهله ... أن يطعموا مكان كل يوم مسكينا) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ورجاله رجال الصحيح. وفي رواية أخرى: (أن أنس ابن مالك كبر حتى كان ... لا يقدر على الصيام فكان يفدي) ذكرها البخاري تعليقا.
وقال ابن عباس: (إذا عجز الشيخ الكبير عن الصوم أطعم عن كل ... يوم مدا) قال الدارقطني إسناده صحيح.
والمريض الذي لايرجى برؤه في معنى الشيخ العاجز. وأما إذا عجزا ... عن الإطعام فلا شيء عليهما لقوله سبحانه وتعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا ... إِلاَّ وُسْعَهَا} البقرة (286) .
ثم المريض إذا كان يرجى برؤه فلا فدية عليه ويجب عليه انتظار القضاء وفعله إذا قدر عليه لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة (184) .
ولا يصار إلى الفدية إلا عند اليأس من القضاء.
واعلم أن الإطعام الذي يجزيء هو مد بمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسواء كان حبا أو دقيقا أو زبيبا أو تمرا حتى لو أعطاهم طعاما معمولا فيجزئه ما أشبعهم أكلة واحدة والله أعلم.