الصفحة 3 من 19

الله بريء من المشركين ورسوله (بكسر لام رسوله بدلًا من ضمها، يفهم منها أن لحن الأعرابي كان لحنًا صوتيًا مس حركة اللام، وهي صوت، فنشأ عن هذا خطأ في الدلالة، وهو لحن كان مع أمثال له حافزًا لأبي الأسود الدؤلي(-67هـ) على أن يضع نقط الإعراب.

*ثم إن قوله للكاتب، وهو يتلو عليه (إذا رأيتني قد فتحت فمي بحرف فانقط نقطة على أعلاه، وإذا ضممت فمي، فأنقط نقطة بين يدي الحرف، وإذا كسرت فمي فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن اتبعت شيئًا من ذلك غنة(تنوينًا) فاجعل النقطة نقطتين) (2) إنما يدل على أن أبا الأسود لاحظ أثر الشفتين في نوعية الصوت الذي يسميه المحدثون بالصائت ( Vowel) ، فحين سمى الحركات القصيرة فتحة وضمة وكسرة اعتمد على شكل الشفتين ووضعيهما عند النطق، وفي هذا إشارة إلى خاصة مهمة من خواص الحركات، ثم إن هذا الأساس في التنقيط عضوي فيزيولوجي يعتمده الدرس الصوتي الحديث (3) . فصنيع أبي الأسود إذن، إن كان يهدف إلى المحافظة على لغة القرآن، فهو صنيع متصل بالصوتيات أوثق الصلة، كما أن نقط الإعجام الذي قام به من الدوافع إليه المحافظة على أصوات العربية سليمة.

*اعتمادًا على ما سبق يمكننا أن نقول أن نشأة الصوتيات العربية قديمة كانت في أحضان لغة القرآن الكريم.

2 -جهود واتجاهات في الدرس الصوتي:

*لعله من المفيد أن نعرض أبرز جهود العرب في الدراسات الصوتية، وقبل هذا نذكر أن العرب لم يعالجوا الأصوات وحدها، إنما كانت معالجتهم لها مع قضايا لغوية أخرى، وكان لها قيمة تاريخية وعلمية، وهذه المعالجة أخذت اتجاهات متعددة فهي عند أصحاب المعاجم والنحاة والبلاغيين والمعنيين بإعجاز القرآن، وعلماء التجويد والقراءات القرآنية.

*أما أصحاب المعاجم، فهم أقدم من تحدث عن الصوتيات من العرب، والناظر في معجم العين - وهو أول معجم في اللغة العربية، ينسب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (-175) - يرى أن معجمه هذا من أهم الدراسات الصوتية، وخاصة مقدمته التي تنم عن حس لغوي دقيق، فلقد أحسّ الخليل بكثير من جوانب المشكلة الصوتية، إذ تحدث عن مخارج الحروف وصفاتها من همس وجهر وشدة ورخاوة ونحوها، وعما يحدث للصوت في بنية الكلمة من تغيير يفضي إلى القلب أو الحذف أو الإعلال أو الإبدال أو الإدغام، وذكر عددًا من القوانين الصوتية، وعددًا من المسائل الصوتية واللهجية والقراءات.

*ولعل أهم ما يستوقف النظر في صنيع الخليل ترتيبه معجمه على أساس صوتي، وهو صاحب الفكرة الرائدة في ترتيب الحروف حسب مخارجها، وقد رتبها على النحو التالي:

ع ح هـ خ غ - ق ك - ج ش ض - ص س ز - ط د ت - ظ ذ ث - ر ل ن - ف ب م - و ا ي ء.

*لقد خالف الخليل في ترتيبه هذا ترتيب نصر بن عاصم الهجائي الذي يقوم على تشابه الحروف في صور الكتابة، ويهمل الجانب النطقي. إذ أنه عرف بحسه الدقيق أن اللغة منطوقة قبل أن تكون مكتوبة، وهذا أمر تتفق فيه اللغات جميعها، ولذا رتب الحروف على أساس نطقي نظر فيه إلى مخارج الأصوات في جهاز النطق، واعتمد على تذوقه للحروف، وذلك بأن يصدر كلًا منها بألف مهموزة يتبعها الحرف المقصود بالترتيب ساكنًا، وقد بحث عن أعمق الأصوات في المخرج، فوجده الهمزة، والأمر كذلك في اللغات كلها، ولكنه لم يبدأ بها لأنها متقلبة لا تستقر على حال، ولا صورة ثابتة لها في النطق أو الكتابة، ثم قارن بين العين والحاء فوجد أن العين أنصع أي أوضح في النطق السمعي، فبدأ بها، ثم وضع بعد العين أختها وهي الحاء، ثم أتى بالهاء (4) وعلى هذا النحو مضى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت