الصفحة 2 من 19

اللغة - هذه الظاهرة البشرية المتميزة - دراسة علمية، ونظر إليها على أنها ظاهرة طبيعية يمكن أن تخضع لما تخضع له ظواهر الطبيعة الأخرى من اختبار علمي ينتهي إلى قوانين ثابتة، ونعني به علم اللسانيات (1) .

*لكن هذا العلم لم يظهر في ميدان العلوم الإنسانية، ويزاحمها، ليحتل مكان الصدارة دونما مقدمات فلقد كانت له جذوره الضاربة في أعماق الماضي، فنجد بدايته عند الهنود واليونان ثم العرب. وإذا كان من مؤرخي هذا العلم من غفل أو تغافل عن دور العرب في بناء صرح علم اللسانيات الحديث، وإذا وجد اليوم من يزعم ويردد أن هذا العلم وليد الحضارة الغربية، في أحضانها نشأ، وفي أرضها ترعرع حتى استوى عوده، فإن هذا أو ذاك لا ينفي حقيقة واقعة تؤيدها النصوص الثابتة، تقول: إن للعرب فضل السبق في بحث جوانب في علم اللسانيات، وصلوا فيها إلى نتائج يحق لهم أن يفاخروا بها الأمم.

*وهذه الدراسة محاولة لبيان بعض صنيع العرب في جانب توليه اللسانيات الحديثة عناية كبيرة حين تدرس لغة ما، هو الجانب الصوتي، فلقد بات من المعروف أن اللغة - أي لغة - تدرس اليوم من جوانب أربعة هي:

1 -جانب الأصوات: Phonology-Phonetics.

2 -جانب بناء الكلمة: Morphology.

3 -جانب بناء الجملة: Syntax.

4 -جانب الدلالة: Semantics.

والجانب الصوتي هو الأول والأهم، وعليه العمدة في دراسة الجوانب الثلاثة الأخرى، ويدور حوله معظم الدراسات اللسانية المعاصرة، ولأهميته مظاهر لسنا بصدد بيانها، إلا أن الذي يعنينا في هذا المقام هو أن العرب تنبهوا قديمًا على قيمة الصوتيات الكبيرة في الدرس اللغوي، وكان لهذا التنبيه مظاهر متعددة سنذكر أبرزها، كما يعنينا أن نقول: إن بين العرب علماء لغويين أفذاذًا، لا يقلون في الأهمية عما يعرف الغرب وغيره اليوم من علماء أمثال سوسير وتشومسكي وجكبسون، بل قد يفوقون هؤلاء في ميادين مختلفة من البحث اللغوي العلمي، ولعل في طليعة من نفاخر بهم العالم ابن جني الذي من أجله صنعنا هذه الدراسة، فلقد كانت لهذا الرجل صولات وجولات في ميادين لغوية شتى، ما تزال تذكر له بعد ما يزيد على عشرة قرون.

*والذي يهمنا الآن أن نتحدث عما كتبه في الصوتيات خاصة، بقصد بيان موقعه من الدراسات اللغوية العربية السابقة عامة، ومن دراسات اللغويين الأجانب المحدثين خاصة، في سبيل إيضاح ما ذكرنا من فضل للعرب، ولهذا نرى أن نبدأ برصد أبرز ظواهر العناية بالصوتيات عند العرب، فإذا جلوناها استطعنا أن نعرف مدى تأثر ابن جني بمن سبقه، حين نقف عند مظاهر عنايته بالصوتيات وقفة فيها بعض الطول، نتبين فيها من طرف آخر موقع دراساته الصوتية من الدراسات اللغوية المعاصرة عن طريق الربط أو المقارنة، فإذا تم لنا ذلك كله انتهينا إلى خلاصة دراستنا ونتيجتها.

ب-الصوتيات العربية قبل ابن جني

1 -البدايات:

*عناية العرب بالصوتيات قديمة تعود إلى اليوم الذي بدأ فيه اللحن، فأصاب العربية في أصواتها كما أصابها في نحوها وصرفها ودلالاتها، فالرواية التي تقول أن أعرابيًا قرأ الآية القرآنية الكريمة (إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت