وحينما قام أعداء اليهود بالهجوم عليهم من منظور ضررهم وانعدام نفعهم، دافع أعضاء الجماعات اليهودية عن أنفسهم لا من منظور حقوقهم كبشر، وإنما من منظور نفعهم ايضًا. وقد استمر هذا الموضوع الكامن شائعًا في الفكر الغربي، ثم ازداد انتشاره وتواتره مع علمنة الحضارة الغربية وسيادة الفلسفات المادية النفعية التي تحكم على مجالات الحياة كافة، وليس على اليهود بمفردهم، من منظور المنفعة. ولذا، نجد أن فكرة نفع اليهود تزداد محورية في الفكر الغربي في أواخر القرن الثامن عشر، وهي أيضًا المرحلة التي لم يعد فيها وضع أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب مقلقلًا وحسب، بل وصل فيها الى مرحلة الأزمة.
ولا يمكن فهم تاريخ الحركة الصهيونية ولا تاريخ العداء لليهود (بما في ذلك النازية) إلا في إطار مفهوم المنفعة المادية هذا. فقد تبنّى المعادون لليهود هذا المفهوم وصدروا عنه في رؤيتهم وأدبياتهم، فراحوا يؤكدون أن أعضاء الجماعة اليهودية شخصيات هامشية غير نافعة، بل ضارة يجب التخلص منها، وتدور معظم الادبيات العنصرية الغربية في القرن التاسع عشر حول هذا الموضوع، وهي اطروحة لها أصداؤها ايضًا في الأدبيات الماركسية، وضمن ذلك أعمال ماركس نفسه، حيث يظهر اليهودي باعتباره ممثلًا لرأس المال الطفيلي الذي يتركز في البورصة ولا يغامر أبدًا بالدخول في الصناعة. وتظهر الأطروحة نفسها في كتابات ماكس فيبر الذي يرى أن رأسمالية اليهود رأسمالية منبوذة، بمعنى أنها رأسمالية مرتبطة بالنظام الإقطاعي القديم ولا علاقة بها بالنظام الرأسمالي الجديد (ومن المفارقات أن اليهود الذي كان رمزًا لرأس المال المحلي المتجذر، اصبح هنا رمز رأس المال الاجنبي الطفيلي المستعد دائمًا للرحيل والهرب) .