4-ان من المسلمات البحثية ان الباحث عندما يقوم بتناول قضية ما فإنه يجمع كل ما يتعلق بالقضية موضع البحث ، وهذا ما تعمده الباحث هنا حيث انه لم يجمع كل الروايات الواردة في هذه المسألة بل انتقى منها ما يريد وخاض فيها الخوض الذي يريد وهذا بحد ذاته يسقط بحثه جملة وتفصيلا لافتقاره الى الأمانة العلمية وبعده عن الطرق البحثية المتمثلة بحصر دائرة البحث وتحديد معالمها ثم بعد ذلك دراستها.
5-منَ الذي نصّب هذا المذكور حاكمًا على أهل السنة وأهّله للإثبات والنفي والقبول والرد والاخذ والرفض ، فالأولى لهذا وامثاله الانشغال بكتبه ورواياته والبحث فيها فانه لو افنى عمره وعمرًا اخر مساويًا او اكبر منه لما كفاه، والأفضل له ان ينشغل بمعالجة ما عنده من تناقضات وبيان ما ورد عنده من اختلافات واختلاقات ، فليس من العقل ان ترى القذاة في عيني غيرك وتترك الجذع في عينك .
سادسًا
إن دعوى التعارض الموهوم بين الروايات وجعلها سببًا كافيًا لتسقيطها هي دعوى قديمة لجأ اليها المفلسون وتشبث باذيالها الفارغون وما هي الا سلوك عقيم بعيد كل البعد عن الضبط العلمي والتحقيق المنطقي.
ولو اننا قمنا بتطبيق حرفي لما يقوله سبحاني على مجموع الفقه الاسلامي لسلم لنا من كل مئة مسئلة مسئلة واحدة صحيحة وبهذا تذهب الثروة الفقهية التي تركها لنا علماؤنا السابقون ادراج الرياح وكل ذلك ببركة السبحاني وامثاله، ونكتفي هنا للدلالة على ذلك بامثلة من المذهب الشيعي لبيان حجم التعارض بين الروايات ، فان وافق السبحاني على ترك هذه الروايات بسبب التعارض فاني أوافقه على قوله في (الصلاة خير من النوم) (1)
(1) تطبيق كلام السبحاني على فقه الشيعة
لو اردنا تطبيق مبدا السبحاني الذي اعتبر فيه التعارض بين الروايات سببًا للترك على الفقه الشيعي لاسقطنا المذهب الشيعي عن بكرة ابيه .
فتعال معي عزيزي القارىء لنقرأ كلام شيخ الطائفة الطوسي في كتابه تهذيب الأحكام لكي تتبين لك مصداقية السبحاني ومدى علميته ، قال الطوسي:
ذاكرني بعض الأصدقاء أيده الله ممن أوجب حقه علينا بأحاديث أصحابنا أيدهم الله ورحم السلف منهم .
وما وقع فيها من الاختلاف ، والتباين ، والمنافات ، والتضاد ، حتى لا يكاد يتفق خبر وإلا بإزائه ما يضاده .
ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه .
حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا .
[ مقدمة تهذيب الاحكام /الطوسي ج1ص 2]
وقال أيضًا:
وقد ذكرت ما ورد عنهم ( في الأحاديث المختلفة التي تخص الفقه في كتابي المعروف بالاستبصار وفي كتاب تهذيب الأحكام ، ما يزيد على خمسة آلاف حديث وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها وذلك أشهر من أن يخفى .
[ العدة في أصول الفقه / الطوسي ج1ص138 ] [ معجم رجال الخوئي / ج1ص89 ]
اقول:
ارجع عزيزي القارىء الى كتاب الاستبصار وستجد بنفسك حجم التعارض في الروايات والتي حاول الطوسي الترجيح والتوفيق بينها وفي الكثير منها لم يستطع ذلك فقال تترك هذه الروايات لان الامام قالها تقية ، او انها موافقة لمذهب العامة - اهل السنة - فكتابه قد ملأه بمثل هذه التبريرات المتهافته .
وستجد عزيزي القارىء الكثير من الامثلة على الاحاديث المتعارضة التي جمعها الطوسي في كتابه في الصفحات القادمة .
ولم تقتصر الروايات المتعارضة على ابواب الفقه كما ذكر شيخ الطائفة الطوسي بل تعدته الى روايات توثيق الرجال ، وتوثيق الكتب ، وتوثيق الوقائع التاريخية وغيرها الكثير من المسائل .
واقول ايضًا:
يعد البحث عن تعارض الادلة الشرعية وكيفية علاجها من اهم المسائل الاصولية، وقد بذل الاصوليون جهودهم في اعطاء ضوابط الجمع ، ومما ذكره اهل السنة:
التعارض بين دليلين
ان يقتضي احدهما خلاف ما يقتضيه الاخر . وهو انما يحصل في ظاهر الامر بالنسبة للمجتهد والا فلا تعارض حقيقي في نفس الامر بين الادلة لان كل واحد منها يحمل على امر يخالف الاخر .
العمل عند التعارض:
اذا تعارضت الادلة في المسألة الواحدة عند المجتهد .وكان كل منها صحيحًا فان كان آية من القرآن او حديثًا صحيحًا او اجماعًا او قياسًا مقبولًا فانه يتخذ في حقه الخطوات التالية بالترتيب كما هو مشهور عند العلماء ومتبع فيما بينهم فلا يتعجل شيئًا منها قبل اوانه:
الجمع بين الدليلين .
اعتقاد النسخ .
الترجيح بينهما .
التوقف او التخيير .
اولًا: الجمع بين الدليلين:
وهو اولى من غيره لان فيه العمل بالدليلين معًا . فاما ان يخصص الدليل او يحمل على حالين او زمانين او مكانين .
ثانيًا: النسخ:
ان لم يمكن تقدم او تاخر الجمع بين الادلة وجب المصير الى النسخ ويصار اليه مع تحقق شروطه وهي:
أ . ان يعرف المتأخر من الدليلين بحجة صحيحة .
ب . والنظر الى قوة الدليل من جهة كونه سنة او قرًاا .
ثالثا ً: الترجيح بينهما:
ان لم يعلم احد الدليلين المتعارضين ورودًا يرجح المجتهد بينها فيعمل باقواهما ويترك العمل باضعفهما ولا يجوز الترجيح بلا مرجح .
وجهات الترجيح المعتبرة مختلفة وهي:
جهة الثبوت: فالمتواتر اقوى من الاحاد ، والمتصل اقوى من المرسل والاكثر رواة يرجح على الاقل وهكذا .
من جهة جنس الدليل:
فيقدم السنة على القياس ويقدم القول على الفعل .
من جهة الوضوح والصراحة:
فيقدم القياس الجلي على الخفي ويقدم النص على الظاهر والمؤول وتقدم الحقيقة على المجاز وهكذا .
جهة تأكد المدلول ولزومه للمكلف:
فيقدم النهي على الامر ويقدم ما كان اقرب الى الاحتياط.
رابعًا: التوقف او التخيير:
اذا عجز المجتهد عن الترجيح بوجه من الوجوه فله احوال يتجه اليها ويكون على حسب الواقع الذي يتلبس فيه فاما ان يتوقف عن العمل باي منهما ، او يخير فيفعل أي الوجهين شاء لان معه دليلًا على كلتا الصورتين او يتساقط الدليلان في حقه ويرجع كمن ليس عنده دليل اي يرجع الى استصحاب الحال.
فهذه هي الاصول المتبعة كما قرره اهل العلم عند تعارض الادلة لذا فلا يجوز لاحد ان يسقط دليلًا مهما كان التعارض ما دام الدليل صحيحًا مقبولًا عليه العمل وبه الاحتجاج ، والا سقطت جميع الادلة لا لشيء وانما لقصر نظر او سوئه عند احاد الناس والله اعلم .
[ ينظر الواضح للاشقر / ج1 ص 50 واصول الفقه / عبد الكريم زيدان ج1 ص 78 ]