فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 61

الحقيقة الأولى:- أن قريشا مع شدة ملاحاتها للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومع أن القرآن قد ذكر آباءهم بغير ما يحبون ، وذكر أوثانهم بغير ما يؤمنون ، لم يتحركوا لأن يقولوا مثله ، إذعانا لبلاغته وفصاحته ، مع أن القرآن تحداهم أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه ، فما فعلوا لئلا يسفوا في تفكيرهم ، فدل هذا على عجزهم المطلق ، ( إذ نابذوه وناصبوه الحرب ، فهلكت النفوس ، وأريقت المهج ، وقطعت الأرحام ، وذهبت الأموال ، ولو كان ذلك في وسعهم ، وتحت مقدورهم لم يتكلفوا هذه الأمور الخطيرة ، ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة ، ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول ، إلى الحزن الوعر من الفعل ، وهذا ما لا يفعله عاقل ، ولا يختاره ذو لب راجح ..) [1]

الحقيقة الثانية:- أن القرآن جذب كثيرا من العرب إلى الإيمان بما فيه من قوة بيان وإيجاز معجز ، وأقوال محكمة ، وقصص تطول وتقصر ، وهي مملوءة بالعبر في طولها وقصرها ، وإطنابها الرائع ، وإيجازها الذي لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا أوفاها حقها ، بالعبارة الناصعة ، والإشارة الواضحة ، فأدركوا أن إعجازه ذاتي ، نابع منه ، وأنه فوق طاقة البشر . وهذا يقودنا إلى أن القول بالصرفة قول باطل ، وساقط عن الاعتبار ، وإن قال به نفر من أعلام العلماء ، فالحق لا يعرف بالرجال ، وإنما يعرف بسلامة الاستدلال .

وأن إعجاز القرآن ذاتي ، فهو معجز بنظمه ، وصحة معانيه ، وتوالي فصاحة ألفاظه ، مما جعل العرب يستعظمون بلاغة القرآن وفصاحته ، ولو كانوا مصروفين عن المعارضة ، لكان تعجبهم للصرف ، لا للبيان المعجز ، ولو كان هناك سلب لعلومهم ، لكان الفرق بين كلامهم بعد التحدي وكلامهم قبله ، كالفرق بين كلامهم بعد التحدي وبين القرآن ، ولما لم يكن كذلك ، بطل القول بالصرفة .

مراجع البحث

(1) -الخطابي: بيان إعجاز القرآن ، ( مرجع سابق ) ص/ 21 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت