فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 61

وأمر - الطفيل بن عمرو الدوسي - كأمر هؤلاء الذين أثر فيهم القرآن ، كان شريفا في قومه ، شاعرا نبيلا ، قدم مكة ، فمشى إليه رجال من قريش يحذرونه من اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - قائلين:إنا نخشى عليك وعلى قومك ، فإذا ما دخل عليك فلا تكلمه ولا تسمع منه ، يقول الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت - أي قصدت وعزمت -على أن لا أ سمع منه شيئا ولا أكلمه ، حتى حشوت في أذني حين غدوت المسجد فحشوت أذني كرسفا ( أي قطنا ) فرقا ( أي خوفا ) من أن يبلغني شيئا من قوله ، فإذا رسول الله

-صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي عند الكعبة ، فقمت قريبا منه ، فأبى الله إلا أن أسمع بعض قوله ، فسمعت كلاما حسنا ، فقلت في نفسي: أنا ما يخفى علي الحسن من القبيح ، فما يمنعني من أسمع من هذا الرجل ما يقول ، فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلت ،وإن كان قبيحا تركت ، فمكثت حتى انصرف إلى بيته ، فقلت: يا محمد ، إن قومك قالوا لي كذا وكذا ، حتى سددت أذني بكرسف كي لا أسمع قولك ، فاعرض علي أمرك ،فعرض عليه الاسلام ، وتلا عليه القرآن ، قال الطفيل: والله ما سمعت قط قولا أحسن من هذا ، ولا أمرا أعدل منه ، فأسلمت .) [1]

وأكتفي بما ذكرته من أخبار منسوبة لمشركي قريش ، تدل على اعترافهم الصريح بإعجاز القرآن الكريم ، وبلوغه درجة في البيان لم يبلغها شاعر ، ولا خطيب منهم ، وتبين تأثيره في القلوب التي كانت تهفو لمعرفة الحق ، وتتوق للوصول إلى الطمأنينة والأمان ، وفي القلوب الصلدة رغم المكابرة والعداوة ، فلامس القرآن شغاف قلوب بعضهم ، وملك أفئدتهم وعقولهم فعرفوا مزيته وإعجازه ، فقادهم إلى صراط الحق القويم .

الخاتمة

بعد هذا العرض لمفهوم الصرفة ، تبينت لي حقيقتان هامتان ، أشير إليهما بإجمال:

(1) - ابن هشام: السيرة النبوية ، ( مرجع سابق) ، ج2 / ص 18- 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت