فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 61

بهذا التوجيه أو نحوه ، يعزى القول بالصرفة إلى: أبي اسحق الاسفراييني من أهل السنة ، والنظام من المعتزلة ، والمرتضى من الشيعة . وأنت إذا تأملت هذه الفروض الثلاثة التي التمسوها ، أو التمست لهم ، علمت أن عدم معارضة العرب للقرآن لم تجئ من ناحية إعجازه البلاغي في زعمهم ، بل جاءت على الفرضين الأولين ، من ناحية عدم اكتراث العرب بهذه المعارضة ، ولو أنهم حاولوها لنالوها ، وجاءت على الفرض الأخير ، من ناحية عجزهم عنها بسبب خارجي عن القرآن ، وهووجود مانع منعهم منها قهرا ، ذلك المانع هو: حماية الله لهذا الكتاب ، وحفظه إياه من معارضة المعارضين ، وإبطال المبطلين . ولو أن هذا المانع زال لجاء الناس بمثله ،لأنه لا يعلو على مستواهم في بلاغته ونظمه .

وبعد أن ذكر الزرقاني شبه القائلين بالصرفة ، أخذ في تفنيد شبههم فقال: وهذا القول بفروضه التي افترضوها ، أو بشبهاته التي تخيلوها ، لا يثبت أمام البحث ، ولا يتفق والواقع .

أما الفرض الأول: فينقضه ما سجل التاريخ وأثبت التواتر ، من أن دواعي المعارضة كانت قائمة موفورة ، ودوافعها كانت ماثلة متآخذة ، وذلك لأدلة كثيرة:

منها: أن القرآن تحداهم غير مرة أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة منه ، ثم سجل العجز عليهم ، وقال بلغة واثقة: إنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا ، ولن يفعلوا ، ولو ظاهرهم الإنس والجن ، فكيف لا تثور حميتهم إلى المعارضة بعد هذا ، ولو كانوا أجبن خلق الله .؟

ومنها: أن صناعتهم البيان ، وديدنهم التنافس في ميادين الكلام ، فكيف لا يطيرون بعد هذه الصيحة إلى حلبة المساجلة .؟

ومنها: أن القرآن أقام حربا شعواء على أعز شيء لديهم ، وهي عقائدهم المتغلغلة فيهم ، وعوائدهم المتمكنة منهم ، فأي شيء يلهب المشاعر ويحرك الهمم إلى المساجلة أكثر من هذا ..؟ ما دامت المساجلة هي السبيل المتعين لإسكات خصمهم لو استطاعوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت