ارتضاها في تفسير القرآن المجيد. ولو قلبنا صحائف كتابه (معاني القرآن) لوجدناه معرضًا عن الاستشهاد بأحاديث النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ، لا يحفل بها البتة، ولا يلجأ إليها أبدًا [1] .
وإذا ما أراد الأخفش أن يورد حديثًا للرسول (- صلى الله عليه وسلم -) فلا ينسبه إليه، وإنما يقول: (( وقال بعضهم ) )، علمًا أنني لم أجد ذلك في الكتاب إلا مرة واحدة ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [2] ... وقال بعضهم: (فلتفرحوا) [3] ، وهي لغة للعرب رديئة، ... [4]
3 -كلام العرب:
استشهد علماء العربية بكلام العرب المنثور من أمثال ومفردات، ومنهم سيبويه، إذ جاء (( في كتابه بمئات من العبارات المروية عن العرب، والأمثال، والمفردات ولاسيما في أبواب الصرف ) ) [5] .
والمقصود بالعرب الفصحاء من يوثق بفصاحتهم وسلامة عربيتهم من شوائب التحضر وآفاته ولم يقفوا عند ما وصل إليهم من كلام العرب
(شعرًا ونثرًا) بل إنهم قصدوا البوادي في قلب الجزيرة العربية، وأخذوا يدونون ما يظفرون به من شواهد ليعتمدوا عليها في ضبط اللغة وإرساء قواعدها [6] .
وحسبنا سؤال الكسائي للخليل حينما أعجب بما يحفظ (( من أين أخذ علمك هذا، فأجابه الخليل: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة ) ) [7] ، فبوادي الجزيرة العربية لم تكن بمرتبة واحدة من الفصاحة، بل تفاوتت في ذلك، فالذين عنهم نقلت اللغة، واستقرئ كلامهم، واستنبطت القواعد النحوية منه قبائل معينة هي تميم وأسد وهذيل وبعض
(1) معاني القرآن للأخفش: (المقدمة) 1/ 102.
(2) سورة يونس: الآية 58.
(3) قرأ النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وعثمان بن عفان وأُبي بن كعب والحسن وأبي رجاء ومحمد بن سيرين والأعرج وأبي جعفر بخلاف والسلمي وقتادة والجحدري وهلال ابن يساف والأعمش بخلاف وعباس بن الفضل وعمرو بن فائد: (فبذلك فلتفرحوا) ، بالتاء وقرأ: (فبذلك فافرحوا) ، أبي بن كعب. (أنظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها: 1/ 313 و314) ، وينظر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي: 5/ 98.
(4) معاني القرآن للأخفش: 2/ 345.
(5) شواهد الشعر في كتاب سيبويه: 46.
(6) ينظر: المدارس النحوية (شوقي ضيف) : 159.
(7) الأشباه والنظائر في النحو (المقدمة) : 5.