ولأنهم يعلمون أن الصداقة الحقة المؤسسة على البر والتقوى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها؛ فلا تنتهي بالموت، أو بنهاية هذه الدنيا، بل هي باقية تنفع أهلها يوم لا ينفع مال ولا بنون.
أليس من محكمات القرآن أنَّ { الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ } الزخرف: 67
وأنَّ من حسرة الكافرين قولهم: { فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ - وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } الشعراء:101
أليس من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله - رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه؟.
ولقد شاع عند بعض الناس مسألة تحاسد العلماء، وتغاير الأقران، وأُلِّف في ذلك كتب، حتى خيل لبعضهم أن ذلك هو دأب أهل العلم في كل عصر ومصر، وعَدَّوا ذلك قضاءًا مبرمًا لا محيد عنه، وتملكهم خاطر اليأس من أن يجدوا صداقة حقة، ومودة حميمة بين أهل العلم.
ولكن الناظر في التاريخ، وسير العلماء يرى أن الأمر أهون من ذلك؛ إذ إن هناك جوانبَ مشرقةً في صداقات العلماء، وموداتهم، ووفائهم، واعترافِ بعضهم لبعض بالفضل، سواء كانوا أقرانًا، أو أن بعضهم تلميذٌ لبعض.
ولا ينكر أن يوجد بين بعض العلماء شيء من التحاسد، والتغاير إلا أن ذلك قد يبالغ فيه، ويجمع بعضه إلى بعض؛ فيظن أنه كثير.
وقد يقول عالم في حق عالم آخر كلمة يسيرة لا تستدعي سوى غض الطرف والتغافل عنها، فتتلقاها الركبان، ويسير بها من يسير بحسن نية أو فساد طوية، فَتُخْتَلَقُ عداوةٌ ليس لها من أساس.
وربما كان للسعاية، وقاَلَة السوء نصيبٌ غير منقوص في هذا الجانب.
وقد يكون هناك جفوة بين عالم وآخر؛ فتجد من يوريها؛ فينشأ عن ذلك فساد عريض.
وقد تكون الجفوة في فترة ما، وتعود الألفةُ، دون أن يعلم بها كثير من الناس، فيظنوا أن الجفوة باقية.