فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 109

وربما كان الأمر مجردَ رأيٍ يُطرح، أو فهمًا يفهمه العالم؛ فيخالفه في ذلك الرأي، أو الفهم عالم آخر؛ فيرى من لا يَقْدُر الخلاف قدره أن ذلك حسد، وبغي، وعدوان.

وربما وقر في النفس شيء من الجفاء، ولكن سرعان ما يزول عند اللقاء، وعند المصلحة العامة، خصوصًا إذا كان ذلك بين من ينظرون في العواقب، ويقدمون مصالح الأمة على أهواء النفوس؛ ومن هنا يظن بعض الناس أن الجفاء باقٍ، وأن الألفة بعيدة أو مستحيلة.

وليس المقصود من كتابة هذه الصفحات نفيَ وجود التحاسد، والتغاير، والبغي والعدوان بين أهل العلم؛ فما هم إلا بشر، وما كان لبشر أن يخلو من النقائص والعيوب.

وإنما المقصود من ذلك أن يبين أن أهل العلم والإيمان أقل الناس عيوبًا، وأنهم أقرب الناس إلى التقوى.

وإذا وجد عندهم شيء من النقائص والعيوب فعند غيرهم من أرباب الوجاهة، والتجارة، والرياسات - أضعاف ما عند أهل العلم.

والمقصود من ذلك - أيضًا - إيضاح الجانب المشرق من سير العلماء ألا وهو جانب الصداقة، والمحبة، والوفاء، وما يدور في هذا الفلك؛ حتى يعلم هذا الجيل الذي يقوم العلماء المصلحون والمربون الناصحون على رعايته وتربيته أن في الدنيا بقايا من الوفاء والمحبة، تتماسك بها أجزاء هذا الكون الإنساني، وأنه لولا هذه البقايا التي يسخرها الله - عز وجل- لانحدر الإنسان إلى حيوانية عارمة، كالتي بدت آثارها في الأمم التي جفت نفوسها من الوفاء والمحبة؛ فخلت من الإحسان والرحمة؛ فهوت بها المطامع إلى ما يراه الرائي، ويسمعه السامع. (1)

وما أحوجنا في هذا العصر - إلى تلك المعاني السامية التي تعيد السكينة إلى النفوس، وتزرع الطمأنينة في القلوب.

وما أحرانا أن نقدر أهل العلم، ونسعى إلى جمع الكلمة، وتآلف القلوب، ولم الشعث، والبعد عن إيغار الصدور وإثارة الكوامن؛ فهذا ما استثار الهمة، وأخذ برأس القلم يجره إلى الكتابة في هذا الشأن.

(1) - انظر 158- 159 من هذا الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت