الصفحة 5 من 30

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد:

فإن موضوع الشورى من الموضوعات الحية ذات المكانة العالية، والمنزلة الرفيعة في الفكر الإنساني عامة، والفكر الإسلامي خاصة، ولا سيما زماننا هذا الذي شهد ضروبًا من الاستبداد الفكري، والعنت السياسي، والظلم الاجتماعي. وهي ضرورة حياتية لا غنى للحياة الإنسانية الكريمة عنها وبدونها تصبح حياة الإنسان الذي كرمه الله عز وجل يوم أن خلقه وسواه، ونفخ فيه من روحه، وأرسل إليه رسله، وانزل عليه الكتب، ووهبه السمع والبصر والفؤاد وجعله وكلفًا مسئولًا ... تصبح حياة هذا الإنسان المكرم وقد سُلبَ حقه، وانتهكت حرمته، ولُويت يده إلى حياة العجماوات أقرب، وبها أشبه، من حياة الإنسان أبعد. ولقد زاد هذه الأهمية إستنارًا وألقًا أن نص عليها القرآن الكريم نصًا مباشرًا محكمًا؛ ومارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ممارسة عملية فلم تعد نظرية تحكى بل واقع يعاش، وحركة تمارس، وعمل يكتسب. لقد اعطاها الإسلام بعدها الإيماني العميق وعطرها الروحي الفواح، وشذاها الديني العبق فما عادت كلمة تقال في الهواء، ولا هتافًا تمتلئ به الحناجر ولا لافتة باهتة تعلق ليس لها في الواقع من حياة ولا حقيقة ولا رصيد لقد أصبحت صبغة الله التي تنصبغ بها الحياة الإنسانية في كل ناحية من نواحيها وفي كل شِعْب من شعايها ... ينصبغ بها الفرد كما تنصبغ بها الجماعة، وينصبغ بها المجتمع كما تنصبغ بها الدولة. لقد أصبحت سمة من السمات المعلومة وصفة من الصفات المعروفة، ولازمة من لاوازم الحياة. ماعادت منحة يتفضل بها الحاكم فإن شاء أعطى وإن شاء منع، بل ماعادت من مطالب السياسة وحدها بل هي من مطالب الدين والعقيدة، والفكر والنظر والاسرة والمجتمع، والمال والاقتصاد. إنها هناك في البيت بين المرء وزوجه في حالة الوفاق والشقاق، وفي الأمور كبيرها وصغيرها، وجليلها ودقيقها ... في الرضاع والفطام، في التسريح والامساك، وعلى كل حال ... إنها هناك في المؤسسات التربوية بين الأساتذة وبين الطلاب فلا تسلط من بشر على بشر ... لا تسلط للزوج على زوجه، ولا الأب على ولده ولا الاستاذ على تلميذه، ولا لراعٍ على رعيته. فالمجتمع المسلم أفراده وفصائله وهيئاته ومؤسساته مجتمع رباني تراعى فيه الحقوق، وتحفظ فيه الذمم، ويُوفى فيه بالعهود. مجتمع الأحرار الذين يدينون فيه بالعبودية لرب واحد لا ند له، ويوصي بعضهم بعضًا إن الله قد جعلك عبدًا لواحد فاحذر أن تكون عبدًا لكثير.

لقد جاءت كلمة الشورى بنصها ومشتقاتها في ثلاث أيات من القرآن الكريم في البقرة (فإن أراد فصالًا عن تراض منهما وتشاور) وفي آل عمران (وشاورهم في الأمر) وفي الشورى (وأمرهم شورى بينهم) ولا يظن ظانٌ أن الشورى في القرآن الكريم محصورة في هذه الآيات الثلاثة فقد يراوح القرآن بين الكلمات، وقد ينتقل من مفردة إلى مفردة ومن أسلوب إلى أسلوب. فإن وجدنا كلمة ككلمة الائتمار المذكور في سورة الطلاق سورة النساء الصغرى (وائتمروا بينكم بمعروف) أو نحسب أنها بعيدة عن الشورى في معنى أو مدلول، كلا إنها هي ذاتها بعينها وصفاتها، ونصها وفصها وظلها وايحاءاتها. وما من علاقة إنسانية تقوم وفق التصور الإسلامي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت