وربما ساهم في رواج هذه الشبهة ان هؤلاء لم يعيشوا الحياة الاسلامية بمعناها الشامل على ارض الواقع، فمنذ سقوط الخلافة وتفكك الامة لم تعد الشريعة مهيمنة كما كانت في القرون الماضية على كل مجريات الحياة، فلم يروا من الاسلام الا هذه الصورة الجزئية التي بقيت في مرحلة تخلف الامة وتفككها.
يضاف الى ذلك ان مفكري الاسلام ودعاته الذين ينادون بالشمولية الاسلامية وينددون بفصل الاسلام عن الحياة لم يقدموا المنهج التفصيلي المقنع، وقد يكون هذا لاسباب اكبر من طاقة هؤلاء المفكرين والدعاة انفسهم.
اما بعد ظهور المد الاسلامي او (الصحوة الاسلامية) فقد تعاظم الحماس لارجاع الاسلام الى الساحة أو لعودة الامة الى الاسلام الشامل، لكن الذي وجدته ايضا عند هؤلاء الشباب ان شمولية الاسلام التي يجاهدون في سبيلها لا تعدوا عندهم الا تصورات نظرية تقوم على اسس عقدية راسخة، اما في مجال التطبيق وكيفية استيعاب الاسلام لكل هذه المستجدات على ارض الواقع (تخطيطا وتنفيذا) فلا زال التصور ضعيفا وقد يكون مضطربا مما اعطى مبررا لتمسك الطرف الثاني بفكرته الناقصة عن الاسلام.
وفي هذا البحث احاول ان اضع لبنة او خطوة ارجو ان تكون في الطريق الصحيح، وبدأت بتلمس الخيط الذي يربط بين معنى الشمولية في الجانب العقدي وبين الشمولية في جانبها العملي، وقد تناول البحث بعد هذه المقدمة المباحث الاتية:
-المبحث الاول: في معنى الشمولية لغة واصطلاحا، وبروز هذا المصطلح كنقطة ساخنة في ساحة الصراع الفكري المعاصر.
-المبحث الثاني: وتناول صلة الشمولية وجذورها في العقيدة الاسلامية من حيث صلتها بعقيدة التوحيد واسماء الله الحسنى اولا ثم من حيث صلتها بالايمان بالرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، واخيرا من حيث صلتها بعقيدة اليوم الاخر، يوم الحساب والجزاء.
-المبحث الثالث: وافردته لدراسة النصوص الدالة على الشمولية من الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة.
-المبحث الرابع: وتناول صلة الشمولية بالمصادر الشرعية، وامكانية استيعاب هذه المصادر لمستجدات الحياة مع الاحتفاظ بوحدة المصدر لكل هذه التشريعات وقد ركزت في البحث على المصادر التبعية (الاجماع والقياس والمصالح المرسلة والعرف)
-الخاتمة: وتضمنت خلاصة النتائج التي توصل اليها الباحث.
والله اسأل ان اكون قد وفقت فيما هدفت اليه وان اخطأت فالكمال لله وحده - وحسبي ان اضع جهدي في خدمة هذه القضية المحورية.
اللهم اني اسألك الاخلاص في النية والسداد في القول والعمل.
المبحث الاول في معنى الشمولية