... ولم يكن المستشرقون هم الذين انفردوا بالاعتقاد بأنَّ أوزان الشعر العربي قد تطورت من السجع إلى الرجز، بل ذهب بعض الباحثين العرب إلى متابعة هذه التصورات وتأكيدها مع مزيد من التفصيل، إذ يتابع محمد عثمان علي آراء الطاهر أحمد مكي في أنَّ القصيدة الجاهلية بدأت بشيوع العرافة واتخاذ العرافين والمحكمين الكلام المسجوع، ثم السجع الموزون وسيلة للتعبير عن تنبؤاتهم وأحكامهم، ومن السجع الموزون إلى الرجز ومن الرجز إلى الشعر، وإذا كان السجع أداة الكهان فإنَّ الرجز قد أصبح غناء الحداة حراس القوافل، ثم تطور هذا الرجز فاستعمل في أغراض من الشعر مختلفة « (1) .
... والحق انَّ هذه التصورات للمستشرقين والعرب إنما هي فروض ظنية، لأننا لا نملك دليلا يؤكد أنَّ العربي قد بدأ بالسجع أولًا، ثم بالسجع الموزون ثانيًا، أو أنَّ الرجز قد تطور عن السجع الموزون، ومن ثم تفرعت عنه البحور الشعرية، فقد يكون ما حصل خلاف ذلك، اذ يذهب أحد الباحثين إلى القول بأن بعض القدماء والمحدثين قد زعموا «أنَّ الرجز أقدم أوزان الشعر العربي، وأنه تولد من السجع، مرتبطا بالحداء ووقع أخفاف الإبل في أثناء سيرها وسراها في الصحراء، وقد تولدت منه الأوزان الأخرى غير أنَّ هذا مجرد فرض . وكل ما يمكن أنْ يقال هو أنَّ الرجز كان أكثر أوزان الشعر شيوعًا في الجاهلية، إذ كانوا يرتجلونه في كل حركة من حركاتهم وكل عمل من أعمالهم في السلم والحرب، ولكن شيوعه لا يعني قدمه ولا سبقه للأوزان الأخرى « (2) .
(1) ـ محمد عثمان علي، في أدب ما قبل الإسلام، ص 101 .
(2) ـ شوقي ضيف، العصر الجاهلي، ص 185 ـ 186 .