فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 256

... ولم يكن الرثاء بعيدًا عن أجواء السحر، بل لعله يتنفس في أجواء السحر أكثر من الهجاء، لأنَّ الغاية من المرثية » انْ تطفئ غضب المقتول، وتنهاه أن يرجع إلى الحياة فيلحق الأضرار بالأحياء الباقين « (1) وقد أسهمت المرأة في النواح والبكاء مع طقوس ترافق ذلك، ويقال » إنهن كن يحلقن شعورهن ويلطمن خدودهن بأيديهن والنعال والجلود وكن يصنعن ذلك على القبر وفي مجالس القبيلة والمواسم العظام، ولعل في حلق رءوسهن ما يجمع بينهن وبين الهجائين ... وما يشهد بأن هذا الرثاء إنما تطور عن تعويذات كانت تقال للميت وعلى قبره حتى يطمئن في لحده« (2) ومثل هذا ما ينقله ابن طباطبا العلوي من«أمثلة لسنن العرب المستعملة بينها، التي لا تفهم معانيها إلا سماعًا، كإمساك العرب عن بكاء قتلاها حتى تطلب بثأرها، فإذا أدركته بكت حينئذ قتلاها « (3) .

... إنَّ هذه التقاليد التي رافقت أداء الهجاء أو المرثية إنما تدل على تداخل السحر بالأسطورة بالشعر، ولذلك ليس غريبًا أن تجد من يؤكد » أنَّ الشعراء إنما أخذوا تقليدهم هذا من السحرة: الشعراء الأوائل، ومن الكهنة، لأن السحرة والكهنة كانوا ينظمون الشعر وينشدونه على هيأة خاصة، يلبسون فيه أردية خاصة ويقفون في وضع خاص حين إنشاد الشعر « (4) .

(1) ـ كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي ،1/48 .

(2) ـ شوقي ضيف، العصر الجاهلي، ص 207 .

(3) ـ ابن طباطبا العلوي، عيار الشعر ،ص 73 .

(4) ـ جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 9/86 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت