... وعلى الرغم من تأكيد مرجليوث أنَّ الشعر موجود في العصر الجاهلي، بدليل ذكره في القرآن الكريم، فانه يثير شكًا في كيفية انتقاله إلينا من هذه المرحلة، وهو يفترض أنَّ هناك طريقتين لا ثالث لهما: الكتابة أو الرواية الشفوية، أما الكتابة فلم تكن وسيلة ممكنة في نقل الشعر، وهذا ما يؤكده علماء العربية القدامى والمعاصرون، وأما الرواية الشفوية التي يؤكدها العديد من القدامى والمعاصرين فإن مرجليوث يثير حولها شكوكًا، ويبني شكه على أساس عدة أسباب منها إنَّ نقل القصائد بالرواية الشفوية يقتضي وجود حفظة ينقلونها، »وليس لدينا ما يدعونا إلى الظن بأن حرفة مثل هذه قد وجدت أو انها بقيت خلال العقود الأولى من الإسلام « (1) ، كما أنَّ الإسلام كان يحث على نسيان القصائد التي كانت تعبر عن انتصارات القبائل بعضها على بعض، لأنها تثير النفوس وتهيج الدماء « (2) .
... ويؤسس مرجليوث شكه من ناحية أخرى على أساس المماثلة بين لغتي القرآن الكريم والشعر الجاهلي، متخذًا من هذا التماثل دليلًا على أنَّ ما وصلنا من الشعر الجاهلي إنما هو وليد مرحلة لاحقة لظهور الإسلام، يضاف إلى هذا أنَّ مرجليوث يلمح ملاحظات تتجلى في طبيعة القصص الديني والألفاظ الإسلامية التي تشيع في الشعر الجاهلي فضلًا عن خلوه من الآثار الدينية الوثنية .
... أما عن الشك في الرواية الشفوية فقد سبق لنا تناولها، وأكدنا أنَّ الشعر الجاهلي والصحيح منه بخاصة، قد وصلنا بها وقد أحاط بهذه الطريقة رواة ثقاة وعلماء محققون ومما لاشك فيه أنَّ هناك نصوصًا شعرية وفيرة من الشعر الجاهلي تعبر عن المرحلة الجاهلية، وتدل على أصحابها، ومعبرة عن الواقع الاجتماعي في إطار سياقه التاريخي .
(1) ـ ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، ص 356 .
(2) ـ نفسه .