فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 256

... إنَّ خطورة حماد الراوية أنه كان شاعرًا، وكان عالمًا بالشعر ومذاهبه، فينحل الشعراء قصائد ينظمها على طرائقهم في النظم ومذاهبهم في الإبداع، ولذلك حمل المفضل الضبي عليه حملة شعواء، قال » قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدًا، فقيل له: وكيف ذلك ؟ أيخطئ في رواية أم يلحن ؟ قال ليته كان كذلك، فإنَّ أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيها، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل ذلك عنه في الآفاق فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد وأين ذلك « (1) .

... وإذا كان المفضل الضبي متشائمًا في شأن حماد الراوية وأضرابه لأنهم أفسدوا الشعر فلا يصلح أبدًا، فإنَّ ابن سلام الجمحي يرجع ذلك إلى أهل العلم، ويرى أنهم قادرون على تمييز الصحيح من الزائف، وللعلماء رأيهم في ذلك، فإذا أجمعوا على إبطال شيء من الشعر فليس أمام أحد إلا أن يقبل هذا، ولا يخرج عنه (2) ويؤكد أنه » ليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولاما وضع المولدون « (3) .

... ويدخل في هذا السياق ما يزيده أبناء الشعراء في أشعار آبائهم، وكيف يكشف العالم صحيحه من زائفه، إذ يروي ابن سلام عن أبي عبيدة أنَّ » داود بن متمم قدم البصرة ... فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته، وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه، جعل يزيد في الأشعار، ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله « (4) .

(1) ـ ياقوت الحموي، معجم الأدباء، 10/265 ـ 266 .

(2) ـ ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، 1/4 .

(3) ـ نفسه، 1/46 .

(4) ـ نفسه، 1/47 ـ 48 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت