والواقع أن الحروب بين المسلمين والغرب تُشكِّل فترةً تاريخيةً واضحة المعالم في العلاقة بين الشرق والغرب، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - بدأ ينشر الإسلام بالدعوة, وإرسال الوفود إلى قيادات العالم القديم, ثم لمَّا لم يستجيبوا لجأ إلى الغزوات, التي انطلقت إلى شمال الجزيرة العربية, أي إلى الغرب, الروم، ثم تلاه خلفاؤه من بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - , ثم الخلافة الأموية فالعباسية، وكانت هناك غزوات, قاتل فيها المسلمون الكفارَ والمشركين، ولم يجبروا أحدًا على الدخول في الإسلام، ولكنهم حموا أولئك الذين آثروا البقاء على دينهم, اليهوديةِ والنصرانيةِ, مقابلَ الجزية, التي تؤخذ من القادرين منهم، ذلك أنهم دخلوا في حمى الإسلام, وإن لم يدخلوا فيه مسلمين. فصارت لهم أحكام خاصة بهم, تعارف أهل العلم على تسميتها بأحكام أهل الذمة الآتي ذكرها, وعاملهم المسلمون على أنهم جزء من المجتمع المسلم. [1]
(1) ... مرّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بباب قومٍ وعليه سائل يسأل: شيخٌ كبيرٌضريرٌ البصر, فضرب عمرُ عضده من خلفه وقال:من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال له: فما ألجأك إلى ما أرى؟! قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ - رضي الله عنه - بيده وذهب إلى بيته فأعطاه ما يكفيه يومه؛ ثمّ أرسل إلى خازن بيت المال فقال له:"انظر هذا وضرباءه, فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم. [إنما الصدقات للفقراء والمساكين] , والفقراء هم المسلمون, وهذا من المساكين من أهل الكتاب", ووضع عنه وأمثاله الجزية. انظر أبو يوسف. القاضي يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري, ت182هـ/798م. كتاب الخراج. ــ بيروت: دار المعرفة, د.ت . ــ ص 126.