وهذا يثبت, موضوعيًا, أن الغرب ليس كلُّه متحاملًا على الإسلام والمسلمين، وأن الخير باقٍ في الناس, حتى لو قام بينهم اختلاف في المنطلقات، هذا مع عدم إغفال النصوص الشرعية الصريحة"المحكمة", التي تؤكد على عدم الاتفاق مع الخلفية الثقافية الغربية, القائمة على مرتكزات نصرانية ويهودية من مثل قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [الآية 120من سورة البقرة] , وقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ...} [الآية 82 من سورة المائدة] .
ولا تأتي هذه الحروف لتتناسى هذه الآيات ومدلولاتها, في سبيل التقريب بين الشرق والغرب، بل إنها تُحذِّر من ذلك, حتى لو كان الزمانُ زمانَ معايشةٍ وتطبيع وحوار، إلا أن هذا كله لا يأتي على حساب ما نؤمن به, ونعتقده جازمين, من استمرار هذه المواقف المبدئية من اليهود والنصارى, على تبايُنٍ في درجات الاختلاف.
ومن هنا، ومن واقع هذا التأثير الإيجابي داخل الغرب نفسه, ندرك حكمة من حكم الله تعالى, في إغفال الجهوية لهذا الدين، وبالتالي تستمر مسؤولية المسلمين في كل مكان من هذا الكون في نشر الإسلام, بالوسائل المناسبة والمقبولة والمؤثرة، وقبل ذلك تمَثُّل المسلمين إسلامَهم في أنفسهم وفي مجتمعهم، وذلك ليبدأوا بالوسيلة, التي اثبتت جدارتها وجدواها, عندما يكونون قدوةً للآخرين في سلوكياتهم وتعاملهم مع بعضهم ومع غيرهم.