الصفحة 42 من 42

طريق، والذريعة المفضية إليه وإن لم تكن حيلة، وجعلوا شبهة الربا كحقيقته في الحرمة، فمنع جمهور الفقهاء بيع العينة، وكرهوا بيع التورق وحرموا بيع المزابنة والمحاقلة، ومنع الحنفية السلم في الحيوان، لشبهة الربا، وغير ذلك كثير في كتب الفقهاء، فالبيوع التي ظاهرها الصحة ويتوصل بها إلى الربا تعد حرامًا باعتبارها وسيلة إليه [1] .

وهكذا، فقد تضمن الشرط الجزائي، زيادة في مقابل الأجل، فكأن الدائن قال للمدين: إذا دفعت الدين في وقت كذا فقد برئت من الحق، وإذا أخرته عن الوقت فعليك كذا من المال، زيادة على أصل الدين، أو يلزمك تعويض نتفق عليه عند وقوع التأخير، أو يحكم به القاضي، أو لجنة التحكيم، فوافقه المدين على ذلك. ثم اختار المدين التأخير، وأن يدفع مبلغ الشرط الجزائي بدلًا منه، وهذا حقيقة الربا، أو هو ذريعة إليه، وإن لم يحتل لأجله، واتفاق العاقدين ورضاهما بالشرط لا يجعله حلالًا، إذ لا عبرة بالرضا المخالف لأمر الشارع كما هو معلوم.

وذكر ابن عبد البر هذا الباب كله - يعني باب ما لا يجوز من السلف - عن عمر وابن عمر وابن مسعود على أنه لا ربا في الزيادة في السلف إلا أن يشترط تلك الزيادة ما كانت، فهذا ما لا شك فيه أنه ربا، والوَاي والعادة من قطع الذرائع، ومن ترْك ما ليس به بأس مخافة مواقعة ما به بأس [2] .. كما جاء في الحديث:"واترك ما يريبك إلى ما لا يريبك"كما قال صلى الله عليه وسلم:"دع ما يريبك لما لا يريبك" [3] .

إن هذه الأحاديث والآثار تؤكد ما انتهينا إليه: من كون الشرط الجزائي أو التعويض التأخيري يُعدّان من الممنوعات؛ إما لأنهما كالربا حقيقة، أو أنهما ذريعة إليه.

(1) الاستذكار ج6، ص516، 335، 336، 338 وما بعدها، 379.

(2) الاستذكار ج6، ص516.

(3) أخرجه البخاري في باب البيوع، باب 3، والترمذي في القيامة، باب60، وأحمد في المسند 3/ 153، والاستذكار ج6، ص516.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت